الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

المزاج بين الحزن والمرح :

 

هناك حيرة فى توصيف الشعب المصرى , فالبعض يراه شعبا حزينا امتلأ تراثه القديم بالبكائيات والجنائزيات وتراثه الشعبى  وحياته اليومية يشهدان على ذلك ويؤكدانه , والبعض الآخر يراه شعبا مرحا حاضر النكته صخّاب فى الأفراح والمناسبات .

 

كثير من الدراسات تشير إلى أن المزاج الأساسى للشعب المصرى يميل إلى الحزن , وقد استشهدوا على ذلك بأن الحضارة المصرية القديمة تركت قبورا ولم تترك قصورا , كما طغت عليها فكرة الموت والثقافة الجنائزية التى تطيل أمد الحزن فتحيى ذكرى الميت أيام الخميس ثم الأربعين ثم السنوية , وهناك كتاب فرعونى هام هو كتاب الموتى , ..... إلخ . ولكن هذه الملاحظات ربما تصطدم أو تتناقض مع ما عرف عن الشعب المصرى من ولعه بالنكته وظهور الكثير من مظاهر المرح فى حياته ,بل وأحيانا مبالغاته فى المرح إلى حد الصخب . والحقيقة أنه لا يوجد تعارض من الناحية النفسية فمن المعروف علميا أن الحزن حين يكون كامنا بعمق فى الشخصية يمكن أن يدفع فى ظروف معينة إلى تكوين فعل عكسى فى صورة مرح , وهنا يكون المرح ثانويا أو رد فعل للحزن الكامن ويكون صاخبا حتى لا يعطى فرصة للحزن الكامن أن يظهر , وهذا ما نلحظه فى أفراح المصريين ومناسباتهم السعيدة حيث نجد مبالغة فى الصخب والفرح . وربما يكون انتشار تعاطى الحشيش وبعده البانجو فى المجتمع المصرى عائدا إلى طبيعة الحزن الكامن لديه فهو يختار المخدر الذى يخفف من حدة الإكتئاب ويعطيه إحساسا وقتيا بالمرح والفرفشة , فمن المعروف أن اختيار أى شعب للمخدر الذى يتعاطاه يرتبط بطبيعة هذا الشعب ولا يأتى الإختيار عشوائيا أو عفويا .

 

ويبدو أن الشعب المصرى يتسم عموما بالطبيعة العاطفية التى تميل إلى المبالغة فى الإنفعالات والتعبير عنها , فمثلا تجد عددا كبيرا يشارك فى الجنازات وخاصة جنازات الكبار والزعماء , ولقد لفت نظر علماء النفس والإجتماع جنازة عبدالناصر التى مشى فيها حوالى 5 مليون مصرى , وهذا لا يحدث فى الغرب مطلقا حيث لا يتبع الميت إلا عدد محدود من أقاربه , وعلى الجانب الآخر نرى المبالغة فى الأفراح إلى حد الترف والصخب .

 

والمصريون يعبرون عن حزنهم بوضوح فتجد الصراخ والعويل والنحيب فى لحظات الفقد المؤلمة , أما فى غير ذلك فتجد مزاجا حزينا ومسحة من الكآبة تميز الحياة المصرية المعاصرة بشكل عام فلا تخطئها فى العيون التى تلقاها , فالحزن لديهم أعمق من الفرح , وهم حين يفرحون يخشون لحظة هجوم الحزن الأكبر فيقولون : " اللهم اجعله خير " فتوقعاتهم بالحزن قائمة ودائمة ومخيفة ,  وهم يعتبرون الفرح لحظة عابرة سرعان ما تزول , وربما يفسر هذا صخبهم فى الأفراح والمناسبات فكأنهم يريدون أن يدفعوا تلال الحزن الجاثمة على صدورهم من خلال المبالغة فى الفرح .

 

 *****

والمصرى لديه شعور بالإنكسار والإذلال والشعور العميق بالظلم على المستوى الفردى وعلى المستوى الجماعى , فعلى المستوى الفردى يشعر أنه يتمتع بمميزات عقلية ومهارات حياتية ومع هذا يعيش فى ضنك من العيش ويحتاج لأن يحنى رأسه هنا أو هناك لكى تستمر حياته , وعلى المستوى الجماعى هناك تباين بين حجم مصر الحضارى والثقافى وحجمها السياسى والعسكرى والإقتصادى , فهى كما يقولون دولة عظمى ثقافيا وحضاريا ولكنها ليست كذلك

( على الأقل حاليا ) على المستوى السياسى والإقتصادى والعسكرى , لذلك فالمصرى يشعر أنه وبلده أشبه بعزيز قوم ذل , ويتأكد لديه هذا الشعور كلما سافر إلى هنا أو هناك فوجد أنه لا يأخذ ما يستحقه من احترام أو تكريم أو تقدير لمواهبه , وأن جنسيته المصريه لا يعمل لها الناس ( عربا وأجانب ) أى حساب , وأنه يمكن أن تسلب حقوقه وتهان كرامته دون أن يهب أحد للدفاع عنه , لذلك فهو يرضى بما يحدث له ويلجأ إلى الصبر والشكوى إلى الله من ظلم يستشعره على المستوى الفردى والجماعى وجرح للكرامة الشخصية والوطنية من جراء التوحش الأمريكى والتبجح الإسرائيلى والإهمال العربى .

 

وهذا الشعور العميق بالظلم يفجر مشاعر الكآبة والدونية لدى المصرى , ويتبدى هذا فى بعض الأمثال الشعبية مثل : " ربنا ما سّوانا إلا بالموت " .... " إذا شفت الفقير بيجرى إعرف إنه بيقضى حاجه للغنى " .... " ابن مين اللى محمول ؟ ابن اللى عندها مأكول , وابن مين اللى ماشى ؟ ابن اللى ماعندهاشى " ... " إذا غنى أكل حية قالوا من حكمته , وإذا أكلها فقير قالوا من حموريته " .... " خذوا من فقرهم وحطوا على غناهم " .... " أبو ميه بيحسد أبو لبنية " ..... " عريان بيجرى ورا مقشط " .... ويبلغ الإحساس باليأس والعدم فى قول : " إيش تاخد الريح من البلاط " .... " ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه " , .... هذه عينة من الأمثال اليائسة العدمية التى تعطى إحساسا مرا باللاجدوى يعقبه إحساس باليأس والحزن .

 

والمصرى فى كثير من مراحل تاريخه كان بين مطرقة الإستبداد وسندان الفقر , فبجانب معاناته من الفقر يضاف خوفه من الحاكم المستبد ومحاولة تملقه , وهذا يظهر فى الأمثال التالية :

" إن كان لك عند الكلب حاجه قل له ياسيد " ..... " القوى عايب " ...... " اسجد للقرد فى زمانه " ..... " أربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه " ..... " إذا لقيت الناس بتعبد العجل حش وارميله " ..... " اللى يتجوز امى أقول له يا عمى " ....

 

والمصرى الحديث ربما هو الشخص الوحيد القادر على العيش فى المقابر من بين خلق الله جميعا , فهو ربما لم يجد مسكنا يؤيه وهذا هو السبب الظاهر , أو أنه يشعر بألفة مع الموت والأموات , ويشعر بألفة مع الحزن ولا يجد فرقا بين حياته التعسة وموته .

 

ويقول الدكتور نبيل راغب فى كتابه  " الشخصية المصرية بين الحزن والمرح ( دار الثقافة 1992 ) : " إن نصوص الأهرام , ونصوص الأكفان , وكتاب الموتى تؤلف معا المادة التى تمثل الأدب الدينى المصرى القديم " .... " وهذا الإهتمام الشديد بالموت أدى عبر الأجيال والعصور والقرون إلى تحكم الموتى فى الأحياء . وهذه ظاهرة خطيرة لأنها تشل عناصر القوة والتطور والإنطلاق على هذه الأرض , وتخلق حساسيات يمكن أن توقف علاج مشكلات الناس وحفظ حقوقهم , ذلك لانصراف بعض أعضاء المجتمع المصرى المعاصر عن التركيز على القضايا الدنيوية ذات الطبيعة العاجلة والملحة إلى قضايا تدخل فى نطاق العدم الذى يشل الحركة تماما " ... " ولعل الظاهرة الفريدة التى  يندر وجودها فى مجتمع آخر غير المجتمع المصرى , تتمثل فى نشر أخبار الوفيات والتعازى التى تتضمن تعبيرات الحزن والأسى والإبتهال على عدة صفحات من الجرائد اليومية دون استثناء . وهذه الصفحات هى الشغل الشاغل للكثيرين من القراء الذين يبدأون بها قراءة جريدة الصباح " ..... " كل هذا وغيره يدل على أن مظاهر الحزن وتقاليده وعاداته جزء لا يتجزأ من التراث الثقافى المصرى , وبرغم ما طرأ عليه من تغيرات بمرور الزمن فإن جوهره لايزال واحدا . وهذه الخاصية المتأصلة لم يخفف من رسوخها حب المصريين للمرح والدعابة وإتقان فنونهما , فهم يبكون إذا حزنوا , كما يبكون إذا فرحوا , وإذا بدا لهم أن الفرح زاد عن الحد , فإنهم سرعان ما يتراجعون عنه ولسانهم يلهج : " اللهم اجعله خير " . كذلك فهم يضحكون بصوت عال أكثر مما يبتسمون , ويبكون أيضا بصوت عال , ويحزنون كثيرا , ولكن قليلا ما يغضبون , وإذا غضبوا فإنهم سرعان مايصفون , ومع كل هذا فإنهم شعب محب للحياة , بل وعاشق لها , برغم كل الضغوط والظروف المحيطة التى يعانون منها , والدليل على ذلك حرصهم على الإحتفاظ على توازنهم النفسى من خلال إتقانهم لفنون الدعابة والمرح والنكتة "

 

 *****

والمصرى يستخدم النكتة والدعابة للتخفيف من معاناته فمن خلالها يستطيع أن يسخر من المستبدين به ويهينهم ويقلل من هيبتهم , وهى وسيلة لتصريف العدوان والغضب حتى لا يتراكم لديه ويدفعه إلى الثورة , وربما يفسر ذلك تأخر الثورة عند المصريين وقلة الغضب مقارنة بمشاعر أخرى مثل الحزن والفرح على الرغم من وجود أسباب كثيرة للغضب . والنكتة والمرح عموما دفاع ضد الحزن العميق الكامن فى الشخصية المصرية, ولهذا تجد المصريين يضحكون كثيرا رغم أنهم ليسوا سعداء , وترى العكس فى شعوب أخرى لا يضحكون على الرغم من أنهم سعداء .  

 

ويقر جوستاف لوبون بأن الظرف والمرح والتلطف من أبرز خصال المصريين القدماء . وكثيرا ما دعا أدباؤهم وحكماؤهم إلى الأخذ بأسباب البهجة والمرح فى الحياة أينما كانت وحيث وجدت . بل لم ينسوا أن يحضوا على الإبتهاج وإشاعة السرور حتى وهم فى زيارة المقابر وبين الموتى . تقول إحدى الأغنيات فى ولائمهم التى كانوا يقيمونها فى المقابر :

" متع نفسك مادمت حيا , ضع العطر على رأسك , والبس الكتان الجميل , ودلك يدك بالروائح الذكية المقدسة , وأكثر من المسرات و ولا تدع الأحزان تصل إلى قلبك , كن مرحا حتى تنسى أن القوم سيحتفلون يوما بموتك " ( نبيل راغب 1993 , الشخصية المصرية بين الحزن والمرح )

 

النرجسية :

حين تتابع نشرات الأخبار فى التليفزيون المصرى أو تقرأ الصحف المصرية ستجد مثل هذه الأشياء :

-    الرئيس الأمريكى يشيد بحكمة القيادة المصرية ويتبنى وجهة نظرها فى حل مشكلات الشرق الأوسط

-   الأمم المتحدة تعترف بأن الدور المصرى هو الأهم فى رسم ملامح السياسة فى الشرق الأوسط 

-    المجتمع الدولى يشيد بتجربة الإصلاح السياسى فى مصر ويعتبرها نموذجا يحتذى

-   البنك الدولى يشيد بالتجربة الإقتصادية المصرية ويعتبرها الأنجح فى التحول إلى نظام السوق

-   العالم كله يتابع باهتمام شديد خطوات مصر نحو الديموقراطية وحقوق الإنسان

-  تليفزيونات وإذاعات العالم تتابع خطاب السيد الرئيس وتعتبره ورقة عمل سياسى فى السنوات القادمة

-    البنك الدولى يشيد بتجربة التنمية الإقتصادية فى مصر

-    الإقتصاد المصرى لن يتعرض لمثل ماتعرضت له دول جنوب شرق آسيا

-    مصر غير معرضة لمرض انفلونزا الطيور , وقد اتخذت الإجراءات الكفيلة بتأمين أجوائنا وموانينا ومطاراتنا ضد أى احتمال لعبور المرض

 

وهكذا تجد ذلك الخطاب النرجسى الذى يعطيك انطباعا بأن مصر هى محور العالم كله , وأن المصريين هم الأذكى والأقوى والأكثر حكمة وبراعة , والمحصنين ضد كل الأمراض المعدية , وأن العالم كله يقف على قدم وساق ليتابع أقوالنا وأفعالنا وتصريحاتنا , وأن كل الجهات العلمية والمؤسسات البحثية تتبع خطانا الهائلة نحو التقدم والرقى وتستفيد بتجاربنا الرائدة فى العلوم والتكنولوجيا والديموقراطية وحقوق الإنسان .

هكذانرى أنفسنا , ونغنى كثيرا لأنفسنا ولمصر , ولا نرى فى الدنيا شيئا آخر يستحق الإهتمام فضلا عن الإعجاب فلدينا كل شئ , ونحن كل شئ .

هذا التضخم الذاتى يجعلنا بعيدين عن الواقع وغير قادرين على رؤية أخطائنا ومواطن ضعفنا وقصورنا ,

 وغير قادرين على التعلم من خبرات غيرنا . وللأسف الشديد تتكرر الصدمات ولكننا – على المستوى الرسمى والإعلامى – مصرون على هذه النغمة النرجسية . وهناك متغير شديد الخطورة , وهو أن كثير من الشباب قد دخلوا فى حالة رد فعل عكسى تجاه هذه التصريحات والبيانات النرجسية , وراحوا ينظرون إلى بلدهم بشكل دونىّ يضعف انتماءهم  ويجعلهم يحلمون بالهجرة إلى أى مكان وفى أقرب فرصة سانحة , وهذا رد فعل على حالة الفخر الكاذبة فى الخطابين الرسمى والإعلامى كما ذكرنا .

 

الثقافة السمعية :

 

على الرغم من تعدد الكتاب والمفكرين والمثقفين فى مصر إلا أن عادة القراءة ضعيفة جدا لدى عموم المصريين , فمن النادر أن تجد الناس وهم جالسون فى وسائل المواصلات يقرأون كتبا , وإذا وجدتهم يقرأون فهم يقرأون الجرائد , وأغلبهم يفتح الصفحات الرياضية فيها , ونادرا ما تجد شخصا يجلس على البحر تحت شمسية ويتصفح كتابا ,

 أو تجد شخصا واجهته مشكلة حياتية أو عملية بدأ يبحث عنها بين صفحات الكتب . ولذلك تجد الثقافة المصرية فى أغلبها سماعية انطباعية انفعالية سطحية , فالناس تفضل أن تسأل فى كل شئ وفى أى شئ , وربما هذا يفسر ذلك الكم من الأسئلة الغريبة والتافهة أحيانا التى توجه لعلماء الدين أو للمتخصصين فى الطب أو غيره على شاشات الفضائيات , تلك الأسئلة التى تبين عدم بذل جهد من جانب السائل فى المعرفة عن طريق القراءة والبحث الشخصى , لذلك يسأل ( أو تسأل ) كطفل اعتمادى سلبى يريد الإجابة جاهزة لا تكلفه عناء التفكير .

 وفى كثير من الندوات التى تستمر لساعات وتناقش فيها موضوعات حيوية وهامة بشكل فعّال كنا نواجه بسؤال طفلى ساذج من الحاضرين : " وما هو الحل إذن ... إنكم لم تعطوننا حلولا " , يحدث هذا على الرغم من أن كثيرا من الحلول تكون قد طرحت فى ثنايا المحاضرات أو المناقشات , ولكن المتلقى السلبى لا يكلف نفسه تجميع هذه الحلول أو التساؤل بشأنها أو بحثها والقراءة عنها فى مصادر أخرى , هو فقط يريد حلولا جاهزة يجمعها له المحاضر فى نقطة أو نقطتين بشرط أن تكون حلولا سهلة لا تحتاج منه إلى تفكير أو بذل جهد , باختصار هو يريد حلولا سحرية .

 

وقد كنا نعمل فى أحد المستشفيات ضمن فريق متعدد الجنسيات , كان من الملحوظ أن الأطباء المصريين يقضون وقتا طويلا مع المرضى ويبذلون جهدا واضحا ولكنهم لم يكونوا يسجلون ما يقومون به فى ملفات هؤلاء المرضى , وبما أن الإدارة كانت تتبنى المنهج الغربى لذلك كانت ترى ذلك عيبا كبيرا لأن العمل الذى لا يوثق كتابة كأنه لم يكن , وقد أخذ ذلك وقتا حتى تعود الأطباء المصريون على تسجيل ما يقومون به من أعمال حتى يمكن تقييمه بواسطة الإدارة .

 

وللأسف الشديد هذا يحدث لدى المصريين المعاصرين على الرغم من أن أجدادهم المصريين القدماء كانوا مهتمين بتسجيل كافة تفاصيل حياتهم على جدران المعابد وعلى ورق البردى بشكل مذهل . ويبدو أن ذلك يرجع لتقدير الإنسان لذاته فكلما ارتفع تقديرنا لذاتنا ولما نقوم به من أعمال كلما زادت دوافعنا لأن نكتب ونسجل ما نقوم به , والعكس صحيح , فيبدو أن المصرى المعاصر يشعر بضعف القيمة لذاته أو لأعماله ( لاحظ قلة أغنيات الفخر والتباهى بالمصريين فى السنوات الأخيرة ) لذلك لا يرى مبررا لكتابتها أو تسجيلها .  

 

ضعف الإدارة الجماعية على الرغم من كثرة الكفاءات الفردية :

 

فهناك غياب ملحوظ فى القدرة على العمل كفريق على الرغم من وجود كفاءات فردية متميزة فى كل المجالات ,  ولهذا نجد بطولات وإنجازات متعددة على المستوى الفردى ( 4 جوائز نوبل وعدد كبير من الشخصيات الفذة فى كل المجالات العلمية والفنية والأدبية والسياسية والدينية ) يقابلها فشل ملحوظ فى الإدارة الجماعية  . وهناك بعض التفسيرات لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " إذا فتحتم مصر فاتخذوا منها جندا فهم خير أجناد الأرض ..... " ( أو كما قال صلى الله عليه وسلم) , فقد حدد صلى الله عليه وسلم كلمة جندا ,  فإذا أخذناها كما هى " جندا " وليس

" قادة " فيمكننا أن نفهم مالديهم من قدرات قتالية وليس قدرات قيادية , وربما يؤكد التاريخ هذا التفسير ( القابل بالطبع للإختلاف حوله كأى جهد تفسيرى بشرى للنصوص الدينية ) أن الكثير من الإنتصارات العظيمة تحققت بجند مصريين وقادة غير مصريين ,  فصلاح الدين لم يكن مصريا وقد انتصر على الصليبيين فى موقعة حطين , وقطز لم يكن مصريا وانتصر على التتار فى موقعة عين جالوت بجند مصريين , والأمثلة على ذلك كثيرة , وهى تعنى فى النهاية كنز من الكفاءات والقدرات والعقول الفردية , لا يقابله تميزا فى العمل الجماعى أو العمل كفريق أو الإدارة الجماعية الفعّالة , وهذا يجعل المصرى علامة مميزة حين يعمل فى نظام علمى أو إدارى جيد فى خارج بلده ثم تجده عكس ذلك فى داخل بلده .

 

ففى مصر دائما أزمة قيادة وأزمة إدارة , ومشكلة دائمة فى أى عمل جماعى يزيد أفراده عن شخص واحد , فما اجتمع شخصان إلا ودبت المشكلات فى العمل . وربما يرجع هذا إلى الغرام بالتفوق الفردى والبطولات الفردية والنجم الأوحد والزعيم الأوحد , ذلك الغرام الذى يجعل هم الناس الإنفراد بالمكان والمكانة , والبحث عن الشهرة والمجد الفرديين بصرف النظر عن الإنجاز العام الذى يحتاج لجهود متآزرة ومتناسقة . وقد أدى هذا الوضع إلى تأخر صعود مصر إلى ما تستحقه من مكانة على المستوى السياسى أو الإقتصادى أو الصناعى أو الرياضى , وإلى سبق كثير من الدول الأقل منها حظا فى الحضارة والملكات الفردية ( ماليزيا وتايوان وكوريا كأمثلة ) .

 

وحالة الفردية والتفرد تنتشر من أعلى قمة الهرم ( السياسى أو الإجتماعى أو الدينى ) لتصل إلى أدنى مستويات العمل ( الأسطى فى ورشته ) , وتمنع الإستفادة من تراكم العمل الجماعى المتناسق والمتعاون , وتمنع تكوين منظومات عمل قابلة للنمو والتطور من جيل لجيل , وهذا الغياب لتلك المنظومات يجعلنا نبدأ من الصفر فى كل مرحلة ونعيد نفس الأخطاء .

 

وإذا أخذنا الرياضة كمثال ( اخترنا الرياضة إيثارا للسلامة وابتعادا عن مجالات أكثر حساسية ) لوجدنا أننا كمصريين ربما نحقق إنجازات عالمية فى بعض الألعاب الفردية مثل السباحة

( عبداللطيف أبوهيف ورانيا علوانى ) , أو المصارعة ( كرم جابر ) , ولكننا نفشل فشلا ذريعا فى كرة القدم ( كلعبة جماعية تحتاج لإدارة وعمل جماعى ) رغم وجود أندية عريقة جدا لدينا .

 

النظام الداخلى رغم الفوضى الظاهرة :

 

إذا تأملت النظام السياسى أو الإدارى فى كثير من المراحل التاريخية يخيل إليك أن البلد (مصر) على وشك الضياع أو الإنهيار أو الحرب الأهلية , ولكن هذا لا يحدث على الرغم من قسوة الظروف واضطراب الإدارة . ويمكنك أن ترى مثالا مصغرا لذلك فى بعض التقاطعات فى المدن حيث يغيب شرطى المرور نتيجة لإهمال أو تراخ , ويحدث تداخل بين السيارات من الإتجاهات المختلفة وتحدث أزمة مرورية , وفجأة تجد مواطنا أو أكثر( ليس لهم علاقة بالمرور ) تطوعوا بإدارة الأزمة وبدءوا فى تنظيم حركة السيارات , وهذا يحدث فى التعامل مع الحوادث والحرائق والأزمات الكبيرة حيث تجد أن هذا الشعب الفوضوى ظاهرا أو فى أغلب حالاته قد تحول إلى طاقة هائلة ومنظمة تواجه الأزمة أو الحادث وتعوض القصور الحكومى والإدارى فى مواجهة مثل هذه المواقف .

وقد اتضح هذا  فى زلزال 1992 , حيث قام الأهالى ( بعد إفاقتهم من صدمة الزلزال ) بتنظيم صفوفهم ومحاولة إنقاذ المنكوبين بكل الوسائل الممكنة , ولم ينتظروا ذلك من الحكومة فهم قد تعودوا على قصور أدائها , وفعلا نجحوا فى تقليل آثار الأزمة لحد كبير , ومن المذهل أنه بعد الزلزال ولمدة ثمانية وأربعين ساعة لم تسجل فى أقسام الشرطة جريمة واحدة , وفى هذا دلالة مهمة لا نستطيع تقديرها إلا إذا قارنا هذا بما حدث فى زلزال كاليفورنيا أو إعصار كاترينا فى أمريكا حيث انطلقت موجات السلب والنهب والفوضى فى وقت الأزمة , أو قارنا ذلك بسقوط حكم صدام فى العراق وانطلاق موجات السلب والنهب التى لم يوقفها بعد أيسابيع إلا نداءات صدرت من المساجد تدعو الناس للإلتزام بقواعد الدين الحنيف وإعادة مانهبوه إلى المساجد ليتم التصرف فيه وفق القواعد الشرعية .

 

نجد ذلك أيضا فى جانب الإلتزام الأخلاقى والدينى لدى أفراد هذا الشعب العجيب , فعلى الرغم من الحملات السياسية والإعلامية المضادة للإلتزام الدينى والواصمة له بالإرهاب والتطرف إلا أنك تجد الناس يزدادون التزاما وتمسكا بالدين ( على الرغم مما لديهم من تناقضات ) , ولو طفت الأرض شرقها وغربها فلن تجد التزاما طوعيا عميقا بالدين كما ستجده فى المصريين , وهذه شهادة أقولها وقد طفت بلدانا إسلامية وربما رأيت التزاما ظاهريا غالبا فى بعضها تدعمه السلطة السياسية والدينية , ولكن لا يقابله هذا الإلتزام الداخلى الطوعى العميق الذى تجده فى الشخصية المصرية .

 

وعلى المستوى الأخلاقى , فعلى الرغم من وجود الخمر تباع فى بعض المحلات ووجود الكباريهات والمراقص ووجود مظاهر للتحلل على هذه المستويات إلا أنك تجد غالبية الشعب المصرى لا يشربون الخمر ولا يرتادون هذه الأماكن , وهم فى داخلهم محافظون على كثير من القيم الأخلاقية التى تحلل منها آخرون , وقد تأكدت لى هذه الملاحظة من خلال ممارسة العلاج النفسى فى أكثر من مجتمع عربى فوجدت التزاما أخلاقيا ودينيا طوعيا لدى الشخصية المصرية يفوق الكثير من المجتمعات الأخرى التى تتميز بالإنضباط الدينى والأخلاقى الظاهرى.

والتفسير النفسى لذلك ربما يرجع إلى وجود منظومة دينية وأخلاقية ومجتمعية عميقة ترسبت فى نفس المصرى عبر القرون الكثيرة وشكلت حالة من النظام الداخلى والإلتزام الشخصى الذى يتجاوز الظروف الخارجية . وربما يقول قائل : إذا كانت هناك تلك المنظومة من الإلتزام والنظام والإنضباط النسبى الداخلى الرائع والذى يظهر فى وقت الخطوب والأزمات , إذن بماذا تفسر اضطراب الحياة المصرية وعشوائيتها ظاهرا ؟ ..... والجواب على ذلك يرجع إلى العلاقة الملتبسة بالسلطة فى أغلب مراحل الحياة المصرية والتى خلفت سلوكيات عدوانية سلبية تجاه السلطة وما تمثله من نظام , تلك السلوكيات التى تختفى وقت الأزمات وتختفى حين يخلو المصرى بنفسه ولا يجد ضرورة للعناد السلبى أو العدوان على السلطة بتخريب الظاهر .    

 

نمط التفكير :

 

التفكير هو تلك العمليات العقلية المجردة التى تسبق الفعل .

واستعراض التاريخ المصرى يبين نماذج رائعة من المفكرين الأفذاذ فى كل المراحل التاريخية , هؤلاء المفكرون الذين أثروا الثقافة العربية وجعلوا مصر تستحق وصف " منجم الفكر والإبداع فى العالم العربى " .

 

فإذا انتقلنا من هذا المستوى النخبوى إلى مستوى رجل الشارع العادى أو حتى الطبقات المتوسطة فإننا نلحظ أن التفكير لدى المصريين  يغلب عليه بعض الصفات التالية منفردة أو مجتمعة :

1 – غلبة المشاعر والإنفعالات على المنطق والموضوعية  

2- الموقف الإستقطابى تجاه الأفكار الجديدة , والذى يظهر إما فى الإستسلام والتسليم الكامل لها أو فى رفضها نهائيا دون المرور على المراحل البينية فى الرؤية , وربما يعود هذا إلى النقطة السابقة من غلبة المشاعر وضعف الموضوعية

3- اللجوء للقوة أو للهجوم الشخصى للتعامل مع الأفكار بديلا عن تفنيدها ودحض الحجة بالحجة

4 – وجود الكثير من أخطاء التفكير مثل : التعميم والتهويل والتهوين والإستنباط التعسفى والتفكير الخرافى . والتفكير الخرافى بشكل خاص يأخذ مساحة كبيرة فى العقلية المصرية , وهذا يرجع إلى حد كبير إلى العلاقة الملتبسة بالغيب , فنظرا لقدم الأديان على أرض مصر وتنوعها بين أديان سماوية وأديان كهنوتية فقد تشبعت الشخصية المصرية بأفكار مختلطة عن الغيب وتأثيراته فى حياتها , لذلك تتداخل الكثير من القوى غير المرئية فى حسابات المصرى , بعض هذه القوى غيبيا دينيا وبعضها أسطوريا خرافيا , فالمصرى يولى عناية كبيرة بعالم الجن والقوى الخفية كالسحر والحسد ويعزو إليها الكثير من أحداث حياته ويفسر بها الكثير من الظواهر . وهذا التفكير الخرافى ( المتجاوز قطعا لمفهوم الغيب فى الدين الصحيح ) لا يقتصر على رجل الشارع وإنما يمتد ليشمل كثير من المستويات التعليمية والثقافية , وهذا يبعد الشخصية المصرية عن المنهجية العلمية فى التفكير وحل المشكلات , وربما يكمن هذا

( بجوار الفساد السياسى والبيروقراطية الإدارية ) وراء تراكم المشكلات وتحولها لأزمات فى جوانب كثيرة من حياة المصريين على الرغم مما حباهم الله به من موارد متعددة وطبيعة معتدلة .

5 – ضعف الجوانب المعرفية : أو كما أطلق عليها يوسف إدريس " فكر الفقر وفقر الفكر " , فعلى الرغم من أن رجل الشارع المصرى يتحدث كثيرا ألا أنك تلحظ على محتواه المعرفى عدة أشياء منها:

- سطحية المعلومات

- أغلب معلوماته عبارة عن انطباعات شخصية يغلب عليها الإنفعال والتحيز الشخصى

- أغلب المعلومات – إن لم تكن كلها – سماعية شفاهية . فقليلا ما يلجأ رجل الشارع المصرى العادى إلى قراءة كتاب ليحل مشكلة تواجهه وإنما هو يفضل أن يسأل أحدا

6 – أحادية التفكير : بحيث يرى الموضوع ( أو يحب أن يراه ) من جانب واحد يرتاح إليه , وهذا مرتبط بغلبة الجوانب الإنفعالية المتحيزة ومرتبط أيضا بضعف الجوانب المعرفية والمعلوماتية والتى تجعل المعلومات المتوفرة غير كافية لرؤية محيطية شاملة أو رؤية متعددة المستويات , لذلك ترى أحكام كثير من المصريين قاطعة ومطلقة , وهى أحد سمات التفكير البدائى والدوجماتى الذى ينطلق من قوالب ثابتة ولا يرى غيرها بسهولة

7- ضعف ملكة الفكر النقدى : ذلك الفكر القادر على رؤية الجوانب المختلفة لأى موضوع بحيادية وتجرد , والقادر على تجنب المنزلقات الفكرية ( تحت الضغوط السلطوية ) أو التحيزات العاطفية ( تحت ضغوط الإحتياجات الذاتية ) , أو ردود الفعل الدفاعية .

8 – ثقافة " الكلام الكبير " : هذا التعبير مأخوذ عن كتاب طارق حجى  " نقد العقل العربى " , والذى يعيب علينا فيه لجوءنا إلى المبالغات السطحية والكاذبة والتى تعزلنا عن حقائق الأمور وعن الرؤية الموضوعية , فنحن نتعامل مع تاريخنا الماضى بحسناته وسيئاته بالكلام الكبير ونهاجر إليه بعيدا عن الفعل الواقعى الآنى والمسئول والمثابر , ونحن نتحدث عن أنفسنا بكلام كبير يعطينا تصورا أسطوريا عن قدراتنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا ثم نكتشف عند مواجهة الواقع أننا كنا واهمين . وهناك أمثلة عديدة لهذا الداء فى حياتنا وآثاره المدمرة , نذكر منها إحساسنا بالزهو والإنتفاخ وإطلاقنا للتصريحات العنترية الفارغة قبل حرب 1967 ثم هزيمتنا النكراء بعد ذلك , وأيضا كلامنا عن انتصاراتنا الرياضية وأغانينا عنها رغم تواضع مستوانا وإنجازاتنا فيها , وكلامنا عن مصر واحة الأمن والأمان فى الوقت الذى تعددت فيه أعمال العنف والبلطجة والإرهاب , وكلامنا عن نزاهة الإنتخابات فى الوقت الذى شهد القاصى والدانى بما حفلت به من أعمال تزوير وبلطجة ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم بواسطة حوائط عسكرية من قوات الأمن المركزى ( وهذا ما شهد به القضاة الشرفاء فى تقاريرهم وتصريحاتهم ) . هذا الكلام الكبير يعزلنا عن الحقيقة ويخدر أحاسيسنا ويجعلنا نعيش فى وهم نصحو منه على كوارث محققة . وفى هذا يقول نزار قبانى :

 

مقتلنا يكمن فى لساننا

فكم دفعنا غاليا ضريبة الكلام

.....................................

إذا خسرنا الحرب – لا غرابة

لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقى من مواهب الخطابة

بالعنتريات التى ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة

.....................................

لقد لبسنا قشرة الحضارة

والروح جاهلية 

 

وجهة الضبط الخارجية :

( الهروب من المسئولية الشخصية ووضع الأشياء على شماعات خارجية )

وهذه أحد السمات البارزة والمشكلة فى الشخصية المصرية حيث ترى فى أغلب الأحوال أن ما حدث هو نتيجة للحظ أو الصدفة أو القدر أو تأثير أو تقصير أشخاص آخرين , وهذا الإسقاط يريح الشخص ويجعله يشعر أنه غير مسئول عن شئ , ولكنه فى ذات الوقت يعطل نضجه ونموه ويجعل مشاكله تتراكم لأنه لا يوجد شئ يفعله طالما هو غير مسئول , ويجعل الأمور تسير على نحو غامض وضبابى فليست هناك علاقة واضحة –فى وعى المصري – بين العمل والنجاح أو بين الإجتهاد والإنجاز , لذلك حين يريد النجاح والإنجاز فهو يكتفى إما بالتوجه إلى الله بالدعاء أو التوجه إلى أشخاص ذوى نفوذ يتملقهم ويطلب رضاهم , وإذا فشل فى تحقيق أهدافه فالسبب فى ذلك يأتى من هنا أو من هناك ولكنه ليس منه وبالتالى فليس لديه شئ يفعله ليغير النتيجة غير الإنتظار حتى تتعدل الظروف أو تتحسن الأحوال . وهذاالموقف هو عكس وجهة الضبط الداخلية التى تكون لدى الشخصيات الناضجة والشعوب الناضجة التى ترى أنها مسئولة مسئولية مباشرة عن نجاحها أو فشلها وترى أن ما يحدث لها هو نتيجة لما تقوم به من أفعال , وأنها تملك السيطرة على حياتها , وأن هناك قوانين واضحة ومحددة للنجاح وللإنجاز , وأن تفكير وجهد الإنسان اليوم هو الذى يصنع الغد

المصدر/

http://www.elazayem.com/A(61).htm

 

nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,395,113