الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

والآن نسأل أنفسنا : مالذى جعل الشخصية المصرية تصاب بهذا الداء بشكل وبائى مستعص لم ينج منه إلا القليلون ؟

يرجع معظم المفكرون والباحثون هذا السلوك إلى العلاقة السلبية للمصريين بالسلطة على مر العصور حيث تعرض المصريون على طول تاريخهم لفترات استعمار واستبداد وقهر وتسلط مما كان يفوق قدرتهم على المقاومة أو التغيير فى كثير من الأحيان , ونظرا لتكرار هذه الخبرات السلبية تعلم المصرى أسليب للتكيف والمواءمة تتضمن تحايلا على المستعمر أو المستبد , خاصة أن الحاكم فى مصر يتحكم فى ماء النيل أى فى لقمة العيش للناس , ففى مجتمع النهر يصبح الحكم مركزيا لأنه يتحكم فى شريان الحياة لسائر الناس , وهذا عكس المجتمع الرعوى الذى يعتمد على المطر وبالتالى تكون حركته وإرادته فردية ومستقلة نسبيا ويحكمه نشاط المطر الذى لا يحكمه أحد من البشر .

يقول الدكتور حامد عمار فى ذلك :" الفهلوى برغبته الدائمة والملحة فى تأكيد الذات يشعر فى قرارة نفسه بالسخط على الأوضاع التى توجدالتمايز والتفرقة أيا كان نوعها , ومهما كانت أسبابها ومبرراتها , ويتفرع من ذلك عدم الإعتراف بالسلطة أو الرئاسة , والتنكر لها فى أعماق الشعور , مع أنه فى الظاهر يبدى الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم ( لاحظ كثرة استخدام الألقاب الرنانة فى المجتمع المصرى : بيه , باشا , سعادة الباشا , سعادة الريس , ........ إلخ – إضافة من الباحث) , ويلجأ إلى طقوس زائدة على الحد للتعبير عن الإحترام , ويخفى كل ذلك الشعور بالإمتعاض . والفهلوى  لاينتظر من السلطة المقتدرة أى نوع من الألفة أو رفع الكلفة , ويتوقع منها أن تكون على عكس ذلك , حازمة وصارمة , وكأنما ذلك من لوازم السلطة . ويرجع هذا الشعور بالخوف من السلطة أو الهيبة من أصحابها إلى الظروف التاريخية التى تعاقبت على شخصية المصرى من علاقته بالحاكم , واستجابة المحكومين , وقد وصف الجبرتى شعور الأهالى نحو الملتزم بجمع الضرائب , فكان الفلاحون يهابون الملتزم القوى , أما إذا كان ذا رحمة بهم استهانوا به واذدروه فى أعينهم وسموه بأسماء النساء " ( عن كتاب : المصريون فى المرآه , مكتبة الأسره 2000 ) .

 

ويضيف الأستاذ على سالم : "نحن نباهى الأمم صغيرة السن ذات التاريخ القصير الذى لا يتعدى عدة مئات من السنين انشغلت فيها ببناء الديموقراطية , بأننا اقدم منها وننسى أننا نحكم أنفسنا منذ أقل من خمسين عاما فقط , ولابد من الإعتراف بأن مئات السنين من الحكم الأجنبى المستبد أرست فى عقولنا قواعد راسخة للفهلوة .. عقولنا مدربة على نحو شبه غريزى على الحذر من الحكومة وعمل المستحيل للإفلات منها , من قوانينها ولوائحها وتعليماتها , ثم شن حملات مضادة عليها عندما تحين لنا الفرصة , حتى الآن يداخلنا شك فى أننا نحكم أنفسنا , وفى المقابل سنجد الذين وصلوا إلى مواقع الحكم والسلطة يتوحدون على الفور بنفسية ذلك المملوك القديم المستورد من الخارج التى امتلأت أبعادها بالقسوة والحذر من هذا الشعب

" النمرود " , وهكذا تستمر علاقات الحذر والتربص بين الحكومة والأهالى كامتداد لا واع لآليات الواقع فى الحكم الأجنبى " ( على سالم , " وشاح الفهلوة " , روزاليوسف , 30/3/2001 )

 

وحين عاود الدكتور حامد عمّار النظر فى الشخصية المصرية فى التسعينيات وجد تحولات أخرى أكثر خطورة ذكرها فى المحاضرة التذكارية التى ألقاها فى المؤتمر العلمى السنوى لرابطة التربية الحديثة فى يوليو 1994 , حيث وجد أن مسيرة التيارات السياسية والإجتماعية والإقتصادية فى العقدين الماضيين قد أوجدت خللا ملحوظا فى فى عقيدة الإنتماء الوطنى والقومى ... وكذلك اضطربت العلاقات بين الفرد والجماعات والدولة , وأدى ذلك إلى أن يكون حرص الفرد أو الجماعة متجها نحو الخلاص الذاتى , وإلى تغليب المصالح الخاصة , وإلى ولاء محلى وعشائرى ضيق , مما قد يتعارض فى كثير من الأحيان مع قيم الوطن والمواطنة الرشيدة فى إطار الحق والواجب , ومن هنا ظهرت أعراض الفساد والإفساد .... وأعان على ذلك التوجه ما ساد مصر فى فترة السبعينيات من رخاء مؤقت ,  وما انتهزه البعض من فرص الإنفتاح , والإستغلال والمضاربات , والأرباح السريعة المذهلة , وأوهام شركات توظيف الأموال , والبحث عن النفوذ الخاص , هى العوامل المتحكمة فى طريق القيم والعمل ..... وذلك اللهاث نحو الإستهلاك المفرط والمستفز بإعلاناته , ومظاهر الحياة اليومية , أدى إلى هشاشة العلاقات , وشيوع نمط شخصية " الهبّاش " الذى يخطف بسرعة بقدر ما يستطيع , ويجرى قبل أن يلاحقه حساب القانون أو حساب المجتمع .... وهكذا جاءت شخصية الهبّاش بعد شخصية الفهلوى ( نقلا عن كتاب المصريون فى المرآة لرجب البنا ) .

 

 *****

وقد ظهر هذا الهباش فى صور كثيرة منها رجال الأعمال الذين " يهبشون " أموال البنوك ثم يهربون إلى الخارج , أو رجال السياسة الذين يهبشون السلطة للأبد , أو المرشحين الذين يهبشون المقاعد بشراء الأصوات علنا وبمبالغ متزايدة أمام اللجان , أو يستأجرون البلطجية مقابل ألف جنيه فى اليوم الواحد لإرهاب المواطنين , أو تسخير قوات الأمن لحساب أحد الأحزاب أو أحد الأفراد لتمنع الناس من الوصول إلى لجان الإنتخابات , أو تزوير إرادة الناخبين عند إعلان النتائج . وهناك صور أخرى على المستوى الفردى ومنها الموظف الذى لا يقضى مصلحة إلا بعد أن يأخذ مقابلا لها , وأحيانا يأخذ ويهرب , ومنها العامل أو الفنى الذى يأخذ أجرا ولا يتقن عملا , ..... , ...... وهكذا نماذج عديدة فى كل مستويات المجتمع من أعلاه إلى أدناه , حتى كادت تكون شخصية الفهلوى وشخصية الهبّاش هى القاعدة , وأصبحت النماذج الشريفة المخلصة ( وهى موجودة فعلا ) تشكل استثناءات تدعو للعجب , فمثلا حين يرفض أحد ضباط حرس الحدود رشوة , يكرمه الوزير لأمانته , وكأن القاعدة المتوقعة أن يقبل الرشوة , وأنه حين رفضها قام بعمل استثنائى , وأيضا حين صدعت المستشارة البطلة

" نهى الزينى " بكلمة الحق فى تزوير  انتخابات دمنهور اعتبرها الشعب المصرى بطلة عظيمة ( وهى فعلا كذلك ) مع أن المتوقع – فى الظروف الطبيعية -  أن تكون المستشارة على هذا المستوى العالى من النزاهة والشجاعة والجرأة .

 

ونتيجة لشيوع شخصية الهبّاش فقد انتشرت على ألسنة الناس مفردات جديدة مثل : " هبر " .... " هبش " ..... " تسليك " ..... " تقليب " ....... " شفط " ..... الخ .

التدين :

يبرز عنصر التدين كعنصر فاعل وأساس وشديد الأهمية فى الشخصية المصرية , وهو يكاد يكون مفتاحا مهما لفهمها ( بجانب مفتاح الفهلوة الذى برز فى العقود الأخيرة أكثر وضوحا ) , وذلك نظرا لتراكم الخبرات الدينية من الأديان المختلفة وتلاقيها وتناميها على أرض مصر , فعلى أرضها نشأت الديانات المصرية القديمة التوحيدية منها والوثنية , وانطلق موسى  عليه السلام من الوادى إلى سيناء ثم عاد إلى مصر مرة أخرى  وتمركزت اليهودية فى فلسطين ومصر , ولاذت مريم بوليدها عيسى عليه السلام إلى مصر ثم عادت به إلى فلسطين وتمركزت المسيحية فى  فلسطين ومصر معا , ثم ظهر الإسلام فى أرض الحجاز وجاء الفتح الإسلامى على يد عمرو ابن العاص لتكون مصر بعد ذلك مركزا إسلاميا هاما حتى تلك اللحظة وخاصة مع وجود الأزهر منذ أكثر من ألف عام كأكبر جامعة إسلامية . ويصور جمال حمدان علاقة المصرى بالدين بقوله : " ومن الناحية الدينية البحتة لم تنفصل مصر كذلك عن الحلقة السعيدة قط , سواء قبل الإسلام أو بعده . فمن الحقائق اللافتة للنظر أن مصر كانت دائما طرفا فى قصة التوحيد بفصولها الثلاثة , فمواطن الأديان التوحيدية فى فلسطين وسيناء والحجاز ترسم فيما بينها مثلثا أو سهما رأسه يشكل مماسا لمصر فى سيناء , فقد انصبت هذه الرسالات جميعا فى مصر على التوالى , وإن كانت كل فرشة منها تطغى وتغطى على سابقتها حتى سادت آخرها فى النهاية . وإلى هذا فإن مصر لعبت فى مراحل الدعوة إلى ثلاثتها دورا أو آخر , فكانت لموسى قاعدة ومنطلقا و ولعيسى ملجأ وملاذا , بينما كانت مع النبى محمد هدية ومودة" ( جمال حمدان 1993 ,  شخصية مصر , كتاب الهلال )

 

والتدين فى الشخصية المصرية مرتبط بعناصر التاريخ والجغرافيا كما رأينا , وهو مرتبط أيضا بالطبيعة الزراعية لأرض مصر , فالمصرى القديم والحديث يضع البذرة فى الأرض ويرويها من ماء النيل ثم ينتظر بزوغها ونموها وترعرعها فيرى بذلك تلك القدرة الخفية وراء كل هذا فتترك فى نفسه محبة واحتراما وتقديرا لها ورغبة محبة ومختارة فى عبادتها والتقرب إليها , ولهذا نجد إلحاح فكرة الدين والتدين على الشخصية المصرية ممثلا فى كثرة المعابد فى طول مصر وعرضها , وكثرة الرموز الدينية فى كل الآثار المصرية بشكل ملفت للنظر , فلا تكاد ترى أثرا مصريا قديما لايحمل تلك النقوش أوالرموزأ والنصوص الدينية ,  وكان اهتمام المصريين بالحياة الآخرة يفوق اهتمامهم بالدنيا , ولذلك نرى فى آثارهم غلبة القبور والمعابد على القصور والبيوت . باختصار نستطيع القول بأن الشخصية المصرية مشبعة بالدين فى مراحل نموها المختلفة عبر العصور .

 

وعلاقة المصرى بالدين علاقة حساسة وغامضة وأحيانا ملتبسة ومتناقضة , ولكنها علاقة مركزية ومحورية فى أغلب الحالات , وهى علاقة طوعية خرجت من رحم الحب للإله والمودة له حيث رآه المصرى مصدرا للنماء والدفء والرخاء لذلك كان تصور الموت إيجابيا لديه فهو سيذهب إلى إله محبوب  ويحيا لديه حياة طيبة , لذلك نرى القبور عامرة بالمقتنيات والنقوش والنصوص فكأن الميت ذاهب إلى زيارة محبوب فأخذ معه مالذ وطاب لكى ينعم فى رحاب محبوبه بكل هذا حين يبعث بين يديه . وهذه العلاقة الودودة المختارة المحبة تختلف عن علاقات أخرى بالإله فى بيئات مختلفة تتسم بقسوة المناخ وصعوبة ظروف الحياة حيث تميل العلاقة أكثر إلى الرهبة والفزع والخوف من الإله .

 

إذن فعلاقة المصريين بالإله علاقة فيها رجاء أكثر من الخوف . وفيها ترغيب أكثر من الترهيب , ولهذا نجد المناسبات والطقوس الدينية تتحول لدى المصريين إلى احتفاليات مبهجة ومبهرجة فى غالب الأحيان , فهم قد حولوا رؤية هلال رمضان إلى احتفالية عظيمة وكذلك ليالى رمضان كانت ومازالت لهم فيها طقوس احتفالية كثيرة  تفوق كثير من الشعوب الأخرى , وكذلك يحتفلون بذكرى المولد النبوى وذكرى الإسراء والمعراج , وذكرى النصف من شعبان وذكرى عاشوراء ,  ولكل ذكرى من هذه الذكريات طقوس وطعوم خاصة تميزها . قد يقول قائل بأن هذه الإحتفاليات إرث فاطمى جاء إلى مصر مع الفاطميين , وهذا صحيح ولكن الطبيعة المصرية احتضنت هذا الإرث لأنه  وافق تركيبتها النفسية , وأضافت عليه من قريحتها التى اشتهرت قبل الفاطميين بعصور طويلة بمحبتها للإحتفاليات الدينية . كما أن علاقة المصريين بالرموز الشخصية الدينية علاقة حميمية فهم يحبون الأنبياء حبا جارفا لأشخاصهم إضافة إلى حبهم لهم كرسل يبلغون عن الله  , ويحبون من تفرع من نسلهم ويقيمون لهم الموالد والإحتفاليات بشكل مبالغ فيه أحيانا , وهذا يأتى من العلاقة المحبة بالدين ورموزه من ناحية , كما يأتى من الطبيعة العاطفية للشخصية المصرية من ناحية أخرى .

وهذا الحب المتجاوز للخوف من الإله ترك فى الشخصية المصرية علاقة ملتبسة بالغيب , فالمصرى لديه ثقة هائلة بالغيب  وتوقعات إيجابية منه تجعله فى حالة استرخاء وعدم استنفار أغلب وقته , فقد تعود أن يأتى النيل بالخير دون جهد شاق , وتعود على طبيعة هادئة ليس فيها برد قارس أو حر شديد أو زلازل أو براكين أو وحوش , وتعود على قدر هائل من التماسك والتكافل الإجتماعى المرتبط بالمجتمع الزراعى من ناحية والمرتبط من ناحية أخرى بالتعاليم الدينية المتواترة والمستقرة فى البيئة المصرية . وهذه الحالة تركت فى الشخصية المصرية حالة من الوداعة والطمأنينة العميقة والثقة فى الغيب وفى الآخر , وأحيانا تصل هذه الصفات إلى درجة السلبية والإعتمادية وانتظار الفرج من الغيب  والعون من الله ثم من الآخر ( كثيرا ما تسمع المصريين يقولون لشخص آخر : أنا هاعتمد على الله ثم عليك )

 

 *****

ورؤية المصرى لأى أمر فى حياته يغلب عليها الدين حتى ولو كان غير متدين , وهناك نكتة مشهورة تقول بأن أحد المصريين سافر إلى روسيا فى حقبة الإشتراكية أيام جمال عبدالناصر وكانت للشيوعية والإلحاد وقتها بريقا يجذب بعض المثقفين الحالمين بالمساواة والإشتراكية , ولما عاد هذا المصرى جلس يقول متفاخرا لصديقه : "  أنا ألحدت  " ....... فرد عليه صديقه مستنكرا : " ياعم قول كلام غير ده " .... فرد عليه محاولا إقناعه : " والله العظيم أنا ألحدت" ....... فإلى هذا الحد نجد أن فكرة الدين تظل كامنة فى الأعماق حتى لدى هؤلاء الذين يدّعون غيرها , وهذا يبرز أيضا فى مواقف يفترض أنها مغايرة للدين فمثلا المطربات والراقصات كثيرا ما ترد فى كلماتهم ألفاظا دينية فيها تعظيم للإله وتعظيم للرسول على الرغم من أن الموقف يبدو متناقضا , ولكنها طبقات الدين المتراكمة بشكل تلقائى داخل النفس مثلما تتراكم طبقات الطمى التى يحملها النيل إلى أرض مصر .

 

وهذا يجعل الأمر يبدو ملتبسا فى أذهان بعض الناس خاصة من تربوا على الفكر الغربى الذى يفصل بين نشاطات الدين ونشاطات الدنيا , وهم يحاولون أن يضبطوا إيقاع الفكر المصرى على هذه النغمة التى تبدو عالمية فى الوقت الحالى , ولكن هذا يصعب كثيرا مع تركيبة الشخصية المصرية المشبعة بالفكرة الدينية ولا تجد مبررا لهجرها أو العمل خارج إطارها خاصة وأن هذه الفكرة لها وجود إيجابى ووجود محرك لدوافع الشخصية المصرية , وهذا عكس الصورة السلبية للفكرة الدينية فى المجتمعات الأخرى  والتى ارتبطت بالقهر والطغيان والترهيب أكثر مما ارتبطت بالحب والقداسة , ومن هنا تبدو الفكرة العلمانية غريبة على الذهنية المصرية التى ترى الله فى كل شئ  وتذكره حتى أثناء غنائها أو رقصها , وتتبنى المدخل الدينى فى النواحى الإيمانية ولا تكتفى بذلك بل تسحبه على كل شئ , والسبب الأساسى وراء ذلك كما قلنا هو العلاقة الإيجابية المحبة بالدين ورموزه  والتى ترسخت وتأكدت فى كل المراحل التاريخية , فلم يكن للمصرى قصة صراع مع الدين أو مع المسجد أو الكنيسة بل هى فى الأغلب قصة حب جارف ملأ عليه قلبه وعقله , وأصبح شديد الإرتباط  به رغبة وودا , وربما يفسر هذا كثرة المعابد والآثار الدينية فى مصر القديمة , وكثرة الأديرة والكنائس من الحقبة القبطية , وكثرة المساجد والزوايا والكتاتيب  من الحقبة الإسلامية , وكثرة المقامات والأضرحة لآل البيت وللصالحين وأحيانا لأشخاص مجهولين يظن بهم الصلاح ( مجرد ظن ) ومع هذا تقام لهم الأضرحة والموالد . وهذه الأضرحة والمقامات والموالد على الرغم من الموقف الدينى ( الإسلامى خاصة ) الرافض لها إلا أن الطبيعة المصرية العاطفية المحبة تغلب على كثير من الناس فيهتمون بها ويجدون لها تبريرات تريحهم , فالدين لديهم ليس تشريعات محددة وفقط , وإنما هو علاقة عاطفية فى أغلبها لاتخضع لمنطق العقل أو نصوص الدين بقدر ما تخضع لمشاعر القلب وأحاسيسه التلقائية .

 

يقول الدكتور نبيل راغب : " كذلك لعب الدين المعتدل دورا حيويا فى إشاعة البشر والتفاؤل فى حياة المصريين , لأنه أمدهم باليقين من خلال إيمانهم بالخلود والحياة الآخرة والحساب والجنة التى تعوض الفقير أو المظلوم عما قد يكون لاقاه من معاناة فى حياته الدنيا . فقد جنبته عقيدته الدينية العميقة الخوف من المجهول , والرعب من العدم , والشك فى المصير , والحيرة من الموت , حتى موت الأحياء فى نظره كان انتقالا إلى حياة ثانية زاخرة بالسعادة والخلود . وكلها عقائد ومفاهيم سرت بالبشر والبهجة والتفاؤل والمرح فى حياة المصريين " ( نبيل راغب 1992 , الشخصية المصرية بين الحزن والمرح , دار الثقافة )

 

 *****

وقد تميزت الحياة المصرية وإلى وقت قريب بقبول التعددية الدينية , فكان اليهود والنصارى والمسلمون يعيشون جنبا إلى جنب ويكونون نسيجا مجتمعيا متماسكا ومتعايشا ,  وكان للحكم الإسلامى دور كبير فى ترسيخ هذه التعددية فالإسلام بتعاليمه السمحة وصفة العالمية فيه ورفضه لكل أشكال القهر الإعتقادى أو التمييز العنصرى على أساس الجنس أو اللون أو الدين , قد رسخ لمبدأ حرية العقيدة والمساواة وحقوق المواطنة للجميع على اختلاف انتماءاتهم وتنوعاتهم فكان الولاة والخلفاء والأمراء فى الدولة الإسلامية يتخذون من اليهود والنصارى  وزراء ومستشارين , وكان اليهود إلى عهد قريب يملكون مشروعات اقتصادية كانت هى الأضخم فى مصر فى ذلك الوقت مثل " عمر افندى " و " صيدناوى " و " عدس " و

" ريفولى " وغيرها من المحلات والمشروعات التجارية الكبيرة , وكانوا يملكون بل ويسيطرون على تجارة الأقمشة فى حى الأزهر ذو السمت الإسلامى , وكان النصارى وما يزالون يملكون المشاريع الإقتصادية الضخمة التى يعمل فيها مسلمون ومسيحيون على السواء وبلا تمييز .

 

ولكن للأسف الشديد حدث بعض التحول فى هذه الحياة التعددية وكان من أسباب هذا التحول :

 

-    الصراع العربى الإسرائيلى وما تركه من شكوك بين اليهودى المصرى وغيره من النصارى والمسلمين

-   الثورة وفكرها الإختزالى البعيد عن الروح السمحة للإسلام , وضيقها بفكرة التعددية على كل المستويات

 

- الفكر الدينى الخليجى القادم إلى مصر مع المصريين العائدين من هناك بعد الطفرة النفطية  والقائم على التصور الإلغائى أو التسفيهى أو التحقيرى أو الإستبعادى للآخر المختلف عقائديا

-  المشاعر السلبية  لدى بعض أقباط المهجر , وعملهم على استثارة النزعات الطائفية لدى أقباط الداخل ومحاولة الإستقواء بالخارج المسيحى فى ظروف ضعفت وتضعضعت فيها الأنظمة العربية وأصبحت قابلة للضغوط الخارجية أو مستسلمة لها توقيا لانتقام محتمل أو سعيا لمصالح تتعلق بالبقاء فى الحكم أو توريثه للأبناء  

-  لعبة الأمن والسياسة والدين , حيث ضعفت الأحزاب السياسية , وأصبح الأمن مخولا بحل القضايا السياسية والأمنية , وحل المشكلات القائمة بين الطوائف والإتجاهات المختلفة , وقد لجأ الأمن إلى اتباع أساليب قمعية أو أساليب غير سياسية , وأحيانا أساليب ملتوية تتسم بسياسة لى الذراع أو شد الأذن أو محاولات التجنيد  أو الترويض أو ضرب تيار بآخر , كل ذلك خلف انشقاقات وعداوات ستحتاج لسنوات طويلة حتى تلتئم .  

 

وفى السنوات الأخيرة حدث مزيد من  التحول فى هذه النظرة وتلك العلاقة بالدين , وكان هذا التحول قادم من خارج مصر حمله أبناؤها الذين سافروا إما إلى الغرب المسيحى العلمانى أو إلى الشرق الإسلامى السلفى . فالذين عادوا من الغرب المسيحى العلمانى يحاولون فصل الدين عن الحياة , ويحاولون إعادة الهوية المصرية الفرعونية , ويحاولون من وقت لآخر صبغ الحياة المصرية بالصبغة الغربية فى الدين والإجتماع والثقافة ,

ولكنهم يواجهون بقيم دينية واجتماعية وثقافية راسخة تجعل من هذا التغيير أمرا صعبا , كما أن فئة من هؤلاء يعاونهم بعض المقيمين فى بلا د المهجر يثيرون من وقت لآخر نزعات طائفية محكومة برؤية غربية عنصرية تختلف كثيرا عن الرؤية المصرية المسالمة والمستقرة عبر العصور .

والذين عادوا من الشرق الإسلامى السلفى يحاولون صبغ الحياة الدينية المصرية بالصبغة السلفية مع التقليل من أهمية اختلاف الزمان  والمكان والظروف ,

 والتركيز على الحدود الشرعية أكثر من التركيز على جوهر الدين وروحانياته , واستدعاء منهج حياة السلف بحذافيره  متجاوزين – كما قلنا – أبعاد الزمان والمكان والظروف  والأحوال , وداعين إلى منهج استقطابى أحادى مستبعدا للآخر أو مستهينا بشأنه ,  ولكنهم يواجهون باختلاف الطبيعة المصرية عن الطبيعة الصحراوية القديمة والطبيعة النفطية الحديثة , ويواجهون باختلاف التركيبة المجتمعية المصرية التى قامت منذ فجر التاريخ على التعددية الدينية وقبول الآخر كمواطن شريك والتعايش معه .

 

وهذان التياران القادمان من الغرب ومن الشرق يمثلان فى الوقت الحالى بذورا لنزاعات طائفية يحاول المجتمع المصرى تجاوزها والتغلب عليها ليكمل مسيرته التعددية التعايشية المتسامحة كما كان , ولكن يعوق قدرة الشعب المصرى على هذا بعض الظروف الداخلية والخارجية التى تثير العصبيات والطائفيات خاصة فى نفوس الشباب المحبط سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتعليميا ,

 فتؤدى هذه الإحباطات وما يصاحبها من تسخين داخلى ( غير مسئول وغير مقدر للعواقب ) وتسخين خارجى ( طامع فى تغيير خريطة المنطقة بما يخدم أهدافه ) إلى بعض الإحتكاكات والصدامات الطائفية الغريبة على المجتمع المصرى الذى تميز عبر العصور – كما ذكرنا - بتعدديته وتسامحه وتماسك نسيجه الوطنى .           

المصدر/

http://www.elazayem.com/A(61).htm

nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,395,113