الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

أما الخسائر كما يقول حامد عمار فتبدو فى أن المصرى البسيط لم يشارك فى بناء بلده المشاركة الحقيقية وإنما ترك المهمة لفئة واحدة اختارت نوع الحضارة والعمران وبلورة القيم والأعراف , وهذا لا شك خلق نوعا من الإذعان والإستسلام مخلوطا بالمخادعة والتملق المبالغ فيه , إضافة لشئ أخطر هو أن نهمه الشديد للكلام قد فجّر طاقات لسانه " عمّال على بطّال " بينما أصيبت رغبته فى الفعل وبذل الجهد والعرق بالشلل شبه التام " . " تنزل من بيتك فى الصباح فتسمع هذا الشخص ويبدو من صوته وعباراته أنه يبيع الهواء فى زجاجة .. ولديه قدرات خاصة تمكنه من لف الفيل فى منديل .. وسحق عظام من يقف فى وجهه .. بينما هو لا يعرف ماذا يبيع .. أو من أين سيأتى بالفيل إذا كان فى جيبه منديل .. ويخاف من العتمة .. تقول فى نفسك أنه فهلوى .. وهذا حقيقى لأنه يعتمد على إحداث أكبر قدر من الضجيج والتشويش وجذب الإنتباه بتضخيم الذات لتفادى مواجهة الواقع بمشاكله المعقدة وخيوطه المتشابكة التى يتطلب حل عقدها الإجتهاد والجهد والفعل" .

 

وشخصية الفهلوى تراها وأنت تركن سيارتك بجانب أى رصيف أو تخرج بها فتفاجأ بأن الأرض انشقت وخرج منها شخص يقف وراءك أو أمامك ليقول لك " تعالى .. تعالى " ويتصرف وكأنه ينظم حركة دخولك أو خروجك , وفى الحقيقة هو يعوق حركة السيارة بوقوفه المستفز أمامها أو خلفها . وترى الفهلوى يقابلك فى الشارع أو فى أى مصلحة حكومية فيبادرك بالسلام ( وكأنك تعرفه من زمن ) ويقول لك بشكل سمج وثقيل " كل سنه وانت طيب يابيه " , أو يقول لك وأنت عائد من المطار " حمدالله على السلامه يابيه " , ومن كثرة ما ترددت هذه الكلمات فى مثل هذه الظروف وبهذه الكيفية من هؤلاء الأشخاص أصبحت ذات مدلول سلبى يجعلك تكره سماعها .

 

 *****

والفهلوى المصرى تراه عند شبابيك تجديد رخص السيارات فى إدارات المرور يعرض خدماته عليك , وكثيرا ما يفرض نفسه عليك بتقديم مشورة لم تطلبها , والتلويح لك بقدرته على إنهاء الأوراق بسهولة وسرعة , وحمايتك من كل أنواع الروتين والبيروقراطية , وترى أخاه الفهلوى الآخر يعمل ساعيا أو عامل بوفيه فى أى مصلحة حكومية يقابلك فى مدخل المصلحة ويرى الحيرة والإرتباك على وجهك فيصطادك ويعرض عليك تخليص أو تسهيل المهمة . والنظام البيروقراطى , والتعقيدات المكتبية وشيوع الرشوة والوساطة , كل ذلك أدى إلى تنامى دور الفهلوى حتى أصبح من مكونات المنظومة الإجتماعية المصرية المعاصرة .

 

ولا تتوقف الفهلوة عند هذه المستويات الدنيا بل تتسلل إلى المراكز الوظيفية العليا حين يتلاعب رؤساء مجالس إدارات الشركات بالأرقام ويحولون خسائرهم إلى مكاسب ويوهمون الآخرين وربما أنفسهم بتحقيق إنجازات عظيمة , ويتصورون أن للكلام تأثير يساوى الفعل فيضعون هذا محل ذاك , وحين تتكشف الأمور ويحدث الإنهيار يلجأون للتبرير والتهرب من المسئولية والبحث عن كبش فداء من صغار الموظفين .

 

والفهلوى تراه فى مسئول كبير فى وزارة الصحة يؤكد أننا فى مصر قضينا تماما على شلل الأطفال ولم تسجل فى مصر حالة واحدة منذ عدة سنوات , ثم تكتشف أن هناك عدد ليس بالقليل من الحالات مسجلة بالإسم والعنوان لدى المنظمات العالمية المهتمة بالصحة والطفولة.

 

والفهلوة تراها فى طبل وزمر حول قدرة مصر على تنظيم أكبر مونديال للكرة العالمية وأن مصر فيها قوة جذب لا تقاوم للسائح الأجنبى ثم يتمخض الأمر عن صفر كبير تلقيه الهيئات الدولية فى وجه الفهلوى المصرى .

 

والفهلوى تراه يتحدث عن إمكانات مصر السياحية التى لا تبارى من وجود 40% من آثار العالم فى مصر , ومن شمس ساطعة إلى جو معتدل , ويعلن أن  عدد السائحين قد وصل رقما قياسيا وهو 6 مليون سائح , ولكنك للأسف تكتشف فيما بعد أن فرنسا وأسبانيا يزور كل منها حوالى 40 مليون سائح سنويا على الرغم من افتقارهما لهذا الكم الهائل من الآثار الذى نمتلكه.

 

والفهلوى يعلن أن الإرهاب انتهى فى مصر إلى غير رجعة وأن الأمور أصبحت كلها تحت السيطرة , وأنه تم القبض على فلول الإرهابيين ثم تفاجأ بعدها بأيام بحدث إ رهابى مروع تتلوه حوادث أكثر ترويعا .

 

 *****

وتظهر الفهلوة واللف والدوران بشكل صريح وفج فى فترة الإنتخابات حيث تجد الإعلانات المليئة بالأكاذيب والنفاق والوعود البراقة , وإعلانات التأييد والمبايعة التى يشارك فيها الأجنة وهم بعد فى بطون أمهاتهم ويشارك فيها الأموات الذين أفضوا إلى ربهم , وكأن سلوك الفهلوة لدى الشخصية المصرية سلوكا أبديا يسبق الميلاد ويستمر حتى بعد الوفاة . وتخلو الدعايات الإنتخابية عندنا من البرامج الموضوعية التفصيلية الجادة , وتلجأ بديلا عن ذلك إلى شعارات عاطفية أو دينية أو تاريخية يتم من خلالها خداع الناخب , ولو لم تنجح هذه الوسائل فالتزوير ومنع الناخبين من الوصول إلى اللجان الإنتخابية وسيلة سهلة لتحقيق المطلوب .

 

وتصل الفهلوة إلى بعض الدعاة والأدعياء حيث يميلون إما إلى تملق السلطة ( بالفتاوى الميسرة والمبررة للإستبداد والفساد ) أو تملق الجماهير ( بالروشنة الدعوية والمظهر النجومى وفتاوى التيك أواى وتسطيح الدين بما يتناسب مع ذوق مشاهد الفضائيات الذى لايحتمل ذوقه إلا نوع من التدين الخفيف الممزوج بالمتبلات والمسبوق بالسلطات والمخللات).

 

والإعلام فى أى بلد يفترض أنه كاشف للحقيقة وموقظ للوعى ومحرض على التغيير نحو الأفضل والأجمل والأصلح , ولكن سلوك الفهلوة حين غزا الإعلام شوه هذه الصورة حين سوق لخطاب إعلامى مزدوج ومزيف , يروج للأكاذيب , ويمدح ويهلل لكل صاحب سلطة ويمجد فيه وربما يقدسه , ويلمع أنصاف الموهوبين ويفرضهم على الناس , ويصنع نجوما وقيادات من ورق ويسوقها للجماهير المخدوعة بالبريق الإعلامى والإلحاح المتكرر , وبهذا يصبح الإعلام أداة ترويج وتدعيم لوباء الفهلوة , بل إنه يعطى لسلوك الفهلوة شرعية واحتراما على أنه سلوك مقبول وأنه ينم عن ذكاء وحسن تصرف , وتقدير للأمور , ومراعاة للظروف . والإعلام المزيف يعطى للناس دروسا عملية ومهارات فى لبس الأقنعة والتزييف , وتصبح الأصوات الصادقة والأصيلة والأمينة نشازا فى هذا الوجه أو يصبح صوتها خافتا ضعيفا وسط جوقة التهليل والتزييف .

 

وفى عالم المال والإقتصاد يظهر الفهلوى فى صورة مستثمر  يقترض أموال البنوك أو يجمع أموال الناس تحت أى شعار , ويعطى ضمانات وهمية ويؤسس شركات ورقية , وينشر ميزانيات خادعة , وفى لحظة الموا جهة أو الإنكشاف يهرب إلى الخارج وقد سبقته الأموال عبر البنوك لكى ينعم بها هناك , ومن هنا تقلصت وضعفت قيم العمل الجاد الدؤب , وحل محلها قيم الكسب السريع بدون جهد وفى أقصر وقت ممكن وبأى وسيلة , وشعار هؤلاء " خذ الفلوس واجرى " , وهناك من يمكنهم من أخذ الفلوس ثم يمكنهم بعد ذلك من الجرى طالما هو سيأخذ عمولته ويكون فى الخلفية بعيدا عن المحاسبة .

 

وتصل الفهلوة إلى ذروتها حين تصل لمسئولين كبار يدغدغون المشاعر الوطنية والقومية بشعارات الريادة والسبق الحضارى ( أننا أبناء حضارة خمسة أو سبعة آلاف سنة وأننا رواد العالم العربى والإسلامى وأن العالم يتعلم منا ومن قادتنا الحكمة ) , ويغطون التخلف والجمود على كل المستويات بأرقام خادعة تعكس إنجازات وهمية , ويبررون الهزائم والنكسات والإنكسارات ويحولونها إلى انتصارات تاريخية تستوجب أجازات رسمية للإحتفال بها , وتمتلئ الخطب والتصريحات بالمغالطات والمبالغات والتهويلات , ويكتفى بالكلام والشعارات الرنانة بعيدا عن التخطيط العلمى والعمل الدؤب والفعل الجاد والإنجاز النوعى المتراكم .

 

فنحن بلد له دستور مكتوب ومع هذا تسير الحياة فى واد والدستور فى واد آخر , فالدستور اشتراكى والحياة اليومية الوالقعية والرسمية ر أسمالية , ولدينا أشكال ديموقراطية ( انتخابات نيابية ورئاسية ) ولكن الواقع ليس ديموقراطيا بالمرة ,  وإنما يكتفى بإطلاق صراخ وصياح وسباب فى صحف معارضة أو مستقلة دون أن يكون لذلك صدى , كأنما يكتفى بالكلام والصراخ بديلا للفعل والتغيير.

 

 *****

وحين ينتشر الإرهاب فى العالم ويكتشف الآخرون أن غياب الديموقراطية وانتشار الفساد فى مصر والعالم العربى وراء هذه الظاهرة المهددة للعالم كله , وحين تشتد المطالبة بإصلاحات سياسية , تظهر الفهلوة المصرية فى الإلتفاف والمراوغة والتحايل , وعمل بعض التغييرات الشكلية , وإطلاق التصريحات اللفظية , وعقد بعض الندوات والمؤتمرات بهدف امتصاص الضغط الخارجى , وإبقاء الحال ( المائل ) على ما هو عليه .

 

والفهلوى يهتم بالشكل دون المضمون ويهتم بالكلام بديلا عن الفعل , ويمارس حالة من الإذدواجية تمكنه أن يقول مالايفعل ويفعل مالا يقول , ويمارس حالة من الخداع لغيره  تنقلب بعد فترة إلى الخداع لنفسه , وبالتالى تغيب الحقيقة عن الجميع وتغيب البصيرة اللازمة للتغيير , إذا افترضنا وجود نية للتغيير , وهذا أخطر مافى سلوك الفهلوة من الناحية النفسية والإجتماعية .

 

وهكذا نجد أن الفهلوة لم تصبح سلوكا فرديا لدى البائعين الجائلين أو منادى السيارات على الأر صفة أو المسهلاتيه أو المشهلاتيه من السعاة وعمال البوفيه فى المصالح الحكومية , وإنما أصبح سلوكا عاما لم ينج منه أحد على أى مستوى مهما علا أو نزل , وأصبح وباءا عاما لم تخل منه طبقة من الطبقات .

 

والفهلوى فى التوصيف النفسى هو شخص لديه سمات  سيكوباتية , وليس بالضرورة أن يكون سيكوباتيا بالمعنى الإصطلاحى المعروف , وهذا يعطيه قدرة على الخداع والمناورة , فهو كثيرا ما يبدو خفيف الظل , خفيف الحركة , يغرى بالقدرة على تخليص الأمور الصعبة والمعقدة , ويغرى بالرغبة فى المساعدة فى حل المشكلات العويصة , فكل عقدة عند الفهلوى لها ألف حل , وكل شخص عنده وله مفتاح وثمن , والفهلوى لايحل المشكلات بالطرق المعهودة من العمل والمثابرة والتفكير والتخطيط وإنما يتخطى كل ذلك ويتجاوزه ويلجأ إلى الطرق الخلفية والخفية والسريعة بصرف النظر عن مشروعيتها . والفهلوى بهذه السمات السيكوباتية يميل لأن يبدو مهذبا , وهناك تعبير " السيكوباتى المهذب " والذى تراه فى مستويات وظيفية أو قيادية أو سياسية عالية يتحدث بهدوء وأدب , ويعطيك شكل الأشياء دون جوهرها لأنه يعرف حرص الناس على الشكل فهو لا يصدمهم بانتزاع الشكل , فيحافظ على الظاهر قانونيا أو أخلاقيا مع الإحتفاظ بحقه فى العبث بالجوهر أو انتزاعه تماما بما يحقق مصلحته . والمحافظة على الشكل تحمى الفهلوى من المساء لة والإنتقاد وتجعله قادرا على المناورة والدفاع عن نفسه إذا حاول أحد كشفه أو محاسبته , وهذا مما يرسخ لسلوك الفهلوة ويحبط كل محاولات الإصلاح الجادة , حيث تصطدم كل هذه المحاولات بأن كل شئ تمام على مستوى الشكل , ولا تستطيع أن تثبت غياب المضمون أوتشوهه لأن الفهلوى ( أو السيكوباتى المهذب ) لديه القدرة عل المناورة والجدال , تلك القدرة التى ربما يفتقدها دعاة الإصلاح بحكم طبيعتهم المستقيمة والبريئة .

 

وتتبدى سمات الفهلوة فى الشخصية المصرية من خلال بعض الألفاظ الدارجة على ألسنة الناس مثل : " إحنا اللى دهنا الهوا دوكو " .... " إحنا اللى خرمنا التعريفه " .... " إحنا اللى علمنا النمل يمشى طوابير " ... " نعمل من الفسيخ شربات " ... " بنفهمها وهى طايره " .... " حلنجى " ..... " بتاع التلات ورقات " ..... " حاوى " ..... " ألعبان " ..... " زى الزيبق" .

 

وعلى المستوى الفنى يكفى أن تتابع بعض المسلسلات المصرية لتكتشف أنها فى معظمها مليئة بوسائل اللف والدوران والإلتواء , وادعاء القدرة بلا قدرة , والإحتيال , والخداع , والمبالغات , والسخرية , واذدواجية الخطاب , باختصار تجد نفسك أمام سمات الفهلوة المصرية فى قالب فنى . وفنون الكوميديا تفوقت على سائر الفنون فى إبراز سمات المصرى الفهلوى فى قالب ساخر ظريف به الكثير من المبالغات والمفارقات التى تبرز السمات الفهلوية , وأكثر من نجح فى تقديم هذه الشخصية على المستوى الكوميدى هو الفنان عادل إمام حيث يمتلك ملامح وجه المصرى الغلبان ويمتلك أيضا تركيبة جسده المنهك المطحون ولكنه فى نفس الوقت يحاول التكيف مع الظروف من حوله بالسخرية أو ادعاءات البطولة الخارقة , أو التنكيت على من يقهره , أو الحيلة الذكية اللطيفة للخروج من المآزق , أو استخدام توريات لفظية تحمل معان مزدوجة أو متعددة . وربما يكون هذا هو سر تفوق عادل الإمام الرهيب حيث أنه قد هضم الشخصية المصرية تماما وأعاد إخراجها بوسائل توصيل لفظية وغير لفظية غاية فى البراعة لذلك تصل إلى الناس بسرعة البرق وتضحكهم على أنفسهم التى يرونها فى مرآته الصافية التى التقطت كل تناقضات الشخصية المصرية فى قوتها وضعفها , ولذلك لقبه المصريون بالزعيم بما يعنى أنه زعيما للكوميديا أو زعيما للفهلوة فى فنه أو زعيما للشخصية المصرية . ويليه فى هذه المقدرة على إبراز شخصية الفهلوى الفنان أحمد آدم , فهو قصير القامة و ضعيف البنية , ولكنه يحاول التعايش مع الظروف التى تقهره بتبنى روح المرح والسخرية , وادعاء الكرامة والغلبة والقدرة اللامتناهية على التاثير فى الأحداث ولكنه فى النهاية يكتشف أنه معرض طول حياته للبهدلة فيسخر من كل هذه المواقف حتى يظل واقفا على قدميه الصغيرين .

 

وبعد هذا الإستعراض لصور ومظاهر الفهلوة فى الشخصية المصرية وفى الحياة المصرية , نود الإشارة لدراسة مبكرة للدكتور حامد عمار عن أحوال المجتمع المصرى والشخصية المصرية ضمنها كتابا بعنوان : " فى بناء البشر : دراسات فى التغير الحضارى والفكر التربوى " صدر فى عام 1964 م  , وفى هذه الدراسة القيمة حاول الدكتور عمار أن يحدد سمات مميزة لشخصية المصرى الفهلوى نذكر منها بإيجاز :


1- التكيف السريع والقدرة على التلون مع الموقف ونقيضه ,

 والإدراك فى لمح البرق وفيما يشبه الإلهام بما هو مطلوب فى هذه اللحظة فيستجيب على الفور , وهو قادر على أن يعيش فى أى ظروف ويتعامل مع أى شخصية, ويتباهى بأنه يستطيع أن يلاعب " الجن الأحمر " ويعايش " ملائكة السماء والأرض " فى نفس اللحظة دون أن يجد فى ذلك غضاضة , ودون أن يتطلب ذلك منه جهدا كبيرا . ولذلك استطاع هذا النمط أن يتقبل ويساير كل تغيير , ويتعامل مع كل جديد دون ارتباك أو حيرة , ومظاهر الحياة تدل على هذه القدرة الفائقة , وإن كانت هذه المرونة والقدرة على التكيف السريع تتميز بأمرين : الأول : المرونة والقدرة على هضم وتمثيل كل جديد , والثانى : المسايرة وإخفاء المشاعر الحقيقية  . وهذه النزعة هى التى أعطت للمصريين القدرة على التعايش مع حكام وولاة بلغوا غاية فى الظلم والإستبداد , ووجد المصرى أنه إذا لم يذعن فسوف يتعرض للعقاب والنقمة , ولن يجنى شيئا , فأصبح التكيف السطحى فى مثل هذه المواقف من ضرورات البقاء فى ظروف متغيرة لا ضابط لها ولا مقدر لعواقبها . ومع الزمن فإن هذا التكيف السريع الذى كان أسلوب الحماية والوقاية الذى كفل للمصريين البقاء مع التقلبات السريعة المتلاحقة , تحول إلى وصولية وانتهازية , ثم تركز فى نمط الفهلوة .

2 – النكتة المواتية :

فحين تحاصر المصرى الهموم والأزمات , وتثقل عليه , وتنقلب أمامه الأمور تقلبا لم يشارك فيه , فإنه يشارك فى الأحداث بالتعليق الساخر عليها , ويطلق النكتة بعد النكتة , فيضحك , ويخفف بذلك من التوتر العصبى الذى كان يمكن أن يدفعه إلى الغضب , ويستريح بما تحققه له السخرية بالذين انفردوا بالعمل من ترضية , وتصرفه عن الواقع إلى عالم من الخيال والمرح , وهذا ما جعل أحمد أمين يقول فى كتابه الشهير " قاموس العادات والتقاليد المصرية " : إن النكتة كانت سلاحا مصريا يلجأ إليها المصرى " تعويضا عما أصاب الشعب من كبت سياسى واجتماعى , وتنفيسا له من الضائقات التى تنغصه , مما يجعل الحياة أمرا محتملا . والنكتة عند المصريين تختلف عن النكتة عند غيرهم من الشعوب , فهى أولا إحدى السمات المميزة للشخصية المصرية , فهو يستمتع بتأليف النكتة والإستماع إليها حتى لو تكرر سماعه لها , وأهم الوظائف التى قامت بها النكتة المصرية هى التغطية على الموضوع , وأخذه على المحمل الهين , والإنصراف عنه انصرافا يعفى من التفكير فيه تفكيرا جديا , وكأن " فرقعة "النكتة تكفى لإنهاء المشكلة , أو هى فى حد ذاتها حل لها ( راجع النكت السياسية فى فترات الحكم الإستبدادى وما أكثرها فى حياة المصريين وستكتشف أن النكتة كانت تصرف طاقة الغضب اللازمة للتغيير وبذلك يظل الأمر على ماهو عليه )  

 

3 – المبالغة فى تأكيد الذات والإلحاح على إظهار قدرة فائقة :

 وهناك فرق بين الثقة بالنفس الناتجة عن الطمأنينة الداخلية والإدراك الواعى للقدرات والظروف من ناحية والموقف الخارجى من ناحية أخرى , وبين تأكيد الذات الناجم عن فقدان الطمأنينة , وعدم الرغبة , وعدم القدرة أيضا , على تقدير المواقف تقديرا موضوعيا , وإحساس داخلى بعدم الكفاءة , وشعور بالنقص أمام المواقف يحاول إخفاءه بالتهكم على الآخرين , أو بادعاء المقدرة الخارقة على حل العقد بما يشبه المعجزة , وإنجازها " هوا " , أو عمل كل شئ بالإصبع , أو حل المعضلة بجرة قلم .

 

ومن سمات " الفهلوة " المبالغة فى تأكيد الذات ( إخفاءا لشعوره بالضآلة ) وبما يعرف عادة بأنه " القنزحة " فى الكلام والسلوك , ولعل معظم ما نراه من البذخ فى العزائم , أو المبالغة فى تأكيد " الكرامة الشخصية " بمناسبة وبدون مناسبة , والإهتمام المبالغ فيه بالشكليات فى المناسبات والأفراح والمآتم , وكل ما يتصل بالمظهر أو " واجهة الشخصية " للفرد أو للجماعة, ليس إلا تعبيرا عن الرغبة فى تأكيد الذات , وليس غريبا أن تكون" الكلمة الحلوة " هى التى يأسر بها المصرى غيره , وتجريح الغير و "التريقة " عليه فى غيابه جزءا من سلوك الكثيرين , ومن يستطع أداء هذا الدور ببراعة يحظى عادة بالإعجاب , فالتهوين من قدر الآخرين ومن قيمة أعمالهم هو الجانب الآخر السلبى لتأكيد الذات , والشخص الذى " لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب " هو وحده الذى " يفهمها وهى طايره " وهو الذى يستطيع أن

" يجيب الديب من ديله "

4 – العلاقة الملتبسة مع السلطة :

فالفهلوى برغبته الدائمة والملحة فى تأكيد الذات يشعر فى قرارة نفسه بالسخط على الأوضاع التى توجد التمايز والتفرقة أيا كان نوعها , مهما كانت أسبابها ومبرراتها , ويتفرع من ذلك عدم الإعتراف بالسلطة أو الرئاسة , والتنكر لها فى أعماق الشعور , مع أنه فى الظاهر يبدى الخضوع ويستخدم عبارات فيها مبالغة شديدة للتفخيم ( أفندى و بيه و باشا , سعادة الباشا ) , ويلجأ إلى طقوس زائدة عن الحد للتعبير عن الإحترام , ويخفى كل ذلك الشعور بالإمتعاض ,  ويعبر عنه أحيانا بقوله : " فلان عامل ريس " أو

" عايش فى الدور ".

فالفهلوى لا ينظر إلى السلطة أو الرئاسة على أنها ضرورة من ضرورات التنظيم , يتطلبه توزيع المسئوليات وتحمل الأعباء فى التنظيم الإجتماعى أوالإدارى , ولكنه ينظر إليها على أنها قوة قاهرة يذعن لها إذعانا لما تبعثه فى نفسه من الهيبة والخوف .

5 – الإسقاط والتهرب من المسئولية :

 إن أهم الأسلحة التى تتزود بها شخصية " الفهلوى " هى عملية " الإسقاط " , لكى يزيح المسئولية عن نفسه ويلقيها على غيره من الناس , أو على ظروف خارج نطاق الذات تبرر ما يقع فيه  من مواقف الخطأ أو التقصير ( وهو ما يعرف فى علم النفس بوجهة الضبط الخارجية حيث يعتقد الفرد أن أحداث حياته تمت بتأثير من الآخرين أو من الحظ أو من عوامل لا يملك التأثير فيها أو تغييرها -  الباحث ) ,

وتزداد الفهلوة بازدياد القدرة على ممارسة هذه العملية النفسية , وبذلك لا يقوم الفهلوى بالعمل نتيجة شعوره الداخلى بالواجب ,  ولكن بدافع الطمع فى الكسب أو الخوف من العقاب , وما يقوله ويفعله هو دائما " لحاجة فى نفس يعقوب " كما يصفها المصريون , وليس لتحقيق الذات بالعمل الإجتماعى المنتج ( ربما يفسر هذا المحاولات المستميتة لدى المصريين للتهرب من العمل , ويؤكد هذا الإحصائية التى بينت أن إجمالى الإنتاج لدى الشعب المصرى يساوى فى المتوسط 27 دقيقة عمل يوميا لكل فرد -  الباحث )  .

ومن مظاهر الإسقاط الواضحة كثرة الشكوى من الزمان والتبرم من كيد الآخرين وإلقاء التبعة فى كل مشكلة على " الحكومة " أو على " البلد اللى من غير عمده " أو على " الإدارة " , أو أى قوة أخرى غير الشخص أو الجماعة المسئولة .

6 – الفردية وغلبة ال" أنا " , وعدم التوافق مع العمل الجماعى :

وليس هذا من قبيل الأنانية لمجرد الأنانية , ولكنه تأكيد للذات من ناحية , وانصراف عن احتكاك الذات بغيرها من ناحية أخرى مما يعرضها لمواقف تنكشف فيها حقيقتها , أو تذوب فيها شخصية الفرد فى شخصية الآخرين . ويضاف إلى ذلك جذور العصبيات القبلية والعائلية , ونقص التربية الإجتماعية , لأن الإنسان يولد بنوازع الفردية والأنانية , ثم ينجح المجتمع أو يفشل فى عملية " التطبيع الإجتماعى " أى جعل الفرد يتخلى عن جانب كبير من فرديته والإندماج فى الجماعة واكتساب القدرة على التفاهم والتعاون  والعمل بجدية وإخلاص مع الآخرين , وفى ظل تنظيم اجتماعى أو إدارى أو قانونى , فإذا لم تتم عملية التطبيع الإجتماعى كما يجب فإن شخصية الفهلوى تظهر وهى تجيد إظهار الموافقة , ومسايرة الآخرين والتعاون معهم , ولكنه يتخذ هذه المواقف الشكلية من قبيل المجاملة , أو الخوف من الحساب أو العقاب , فيتظاهر بالعمل مع الجماعة ولكن بلا روح ولا التزام , وهذا هو سر الشكوى من غياب " روح الفريق " والقدرة على العمل الجماعى فى ظل قيادة ( راجع فشلنا المزمن فى الألعاب الجماعية مثل كرة القدم خاصة على المستوى العالمى , وتذكر دائما صفر المونديال – الباحث ) , ولتحقيق هدف عام وليس لهدف شخصى , بولاء للجماعة ,  وفى الأمثال المصرية الكثير مما يعبر عن الروح الفردية مثل " حصيرة ملك ولا بيت شرك " , ويظهر ذلك أيضا فى تعبير كل فرد " أنا عملت " بدلا من " احنا عملنا " . بينما سر القوة والنجاح فى الدول الكبرى فى هذا العصر هو أنها تؤمن بروح الفريق ,  وبالعمل الجماعى ,  وبتعاون عدة أفراد معا وكأنهم كيان واحد , ينسب إليهم جميعا النجاح ,  وينال كل فرد فى الجماعة نصيبه من هذا النجاح الجماعى .

7 – الحرص على الوصول إلى  الغنيمة بسرعة ومن أقصر الطرق دون الإعتراف بالمسالك الطبيعية :

 ولذلك يبحث الفهلوى دائما عن وسيلة تجعله يقفز على المراحل , ويتخطى الحواجز , باللجوء إلى الكذب أو التزوير أو الوساطة , أو الرشوة  أو الغش , فإذا وجد أنه لن يصل إلى الهدف إلا بالطريق الطبيعى كغيره , وأن هذا الطريق يحتاج إلى المثابرة والصبر واتباع خطوات لابد منها , فإن الحماس للعمل ينطفئ فى لحظة , فالطالب لا يعترف بأن الإستذكار وسهر الليالى للفهم والإستيعاب هى الوسائل الطبيعية للنجاح فى الإمتحانات , والفهلوى منهم يريد أن يصل إلى النجاح بدون هذا العناء ... بالغش أو بمحاولة شراء الإمتحانات ورشوة الآخرين ( أو بالدروس الخصوصية التى تصنع كائنات امتحانية تحقق تفوقا شكليا مؤقتا – الباحث ) , والعامل لا يريد أن يضيع وقته فى الإتقان والتشطيب لكى يبلغ الكمال , ولكنه يفضل " الكلفتة " , والجماعات التى يحركها الحماس لإقامة مشروع لا يستمر حماسها بعد ذلك لمتابعة استمرار المشروع ورعايته وصيانته .               

 المصدر/

http://www.elazayem.com/A(61).htm

nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,403,160