الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

* بعض تهديدات الأمن البيئي:

د/ حمدي هاشم

خبير دراسات بيئية ـ عمران بيئي

بعيداً عن الخسائر البيئية التي تسببها الحروب في العصر الحديث، فإن درجات الحرارة المتصاعدة وأنماط المناخ المتطرفة تؤثر بصورة واضحة على الأمن الإنساني، والتي يعانى منها كثير من سكان العالم ولا سيما الفقراء منهم في بعض المناطق الأكثر كثافة وازدحاماً   والتي تعانى من الفاقة والتدهور الاقتصادي، ويمكن حصرها فيما يلي:

- شح الماء في مقابل الاحتياجات المتزايدة من مياه الشرب والري.

- تدهور الإنتاج الزراعي.

- تزايد ندرة الموارد الطبيعية.

- خسائر الحياة البرية وما يتبعها من خطورة نقص المناعة البيئية.

- الأمراض واسعة الانتشار بسبب البعوض والحشرات الأخرى.

- تدهور الصحة العامة.

- الخسائر الاقتصادية المترتبة على الأعاصير والعواصف المدمرة.

- تذبذب الناتج الاقتصادي والتجارة.

- الفقر المتزايد

هذا وقد عرض مشروع الأمم المتحدة للألفية الثالثة بعض الأخطار التي تهدد الأمن البيئي داخل الدولة أو عبر حدودها الوطنية، سواء حدثت نتيجة الجهل أو سوء الإدارة أو الاثنين معاً، أو نتيجة التلوث عن عمد، أو من الكوارث الطبيعية والبشرية. ومن أمثلة الأخطار التي هددت الأمن البيئي نتيجة التلوث عن عمد، ما يلي:

• داخل الدولة: الهجوم على مترو طوكيو بغاز السارين القاتل، تجفيف منطقة الأهوار في العراق والهجمات الكيماوية، سوء استخدام المياه أو فقدها أو تسممها، الموارد الطبيعية.

  • عبر الحدود الوطنية: إحراق حقول البترول في الكويت، تسمم المياه، تحويل المياه وبناء السدود، الأسلحة البيولوجية.

  حرائق آبار النفط الكويتية وانسكاب خام البترول بمياه الخليج العربي:

قامت القوات العراقية قبل أن تنسحب من الكويت (فبراير 1991) بإشعال أغلب الآبار المنتجة والاحتياطية ومعها مراكز تخزين وتكرير البترول في الكويت، وقد قدر الفاقد اليومي من البترول الخام بمعدل 6 ملايين برميل. كانت الصورة أن هناك آباراً قد اشتعلت وطوى دخانها الكثيف صفحة السماء، وآبار أخرى تعرضت للتفجير واختلت ضغوطها ولم تشتعل فانطلقت منها نافورات الزيت الخام بمتوسط 40 ألف برميل في اليوم، والتي سالت على السطح مكونة أكثر من 240 بحيرة نفطية بعمق يزيد عن المتر والتي افترشت مساحات واسعة من الأرض قدرت بنحو 50 كم2، تلك البحيرات الخطرة التي زادت من معوقات وصعوبة عمليات الإطفاء بتلك الآبار المشتعلة. وقد سبق عملية إشعال النيران في الآبار قيام قوات العراق بضخ البترول من الناقلات والموانئ داخل مياه الخليج العربي، مما أدى إلى تكوين ما يقرب من 128 بقعة زيتية قبالة السواحل الكويتية والسعودية، والتي يقدر طول البقعة الواحدة منها بنحو 130 كم وعرضها 25 كم. أضف إلى ذلك الكثير من الخنادق الساحلية التي حفرها الجيش العراقي وملئت بالبترول الخام لاستخدامها كخطوط دفاعية أمام قوات التحالف، والتي فقدت محتواها في نهاية المطاف بالتسرب إلى أفاق التربة أو بحرقها أو اختلاطها بمياه الخليج العربي.

  تعد حرائق آبار النفط الكويتية وانسكاب خام البترول بمياه الخليج العربي من أكبر الكوارث البشرية في العالم، والتي هددت الأمن البيئي على مستوى جغرافي واسع، بصورة يصعب معها حصر آثارها البيئية المدمرة في المدى الزمني البعيد. وزيادة في إيضاح حجم المشكلة البيئية، معرفة أن الكويت فقدت من بترولها على أقصى تقدير ما يقرب من بليوني برميل، أي ما يوازي 2% من الاحتياطي النفطي، والتي أشعلتها النيران نتيجة التفجير المتعمد للآبار   فانبعثت منها أحجام مروعة من الغازات السامة والقاتلة لمختلف أنواع الكائنات الحية، وتراكمت معها سحب كثيفة من الدخان المسرطن التي احتلت طبقات جو سطح الأرض لمدة تجاوزت الثمانية شهور. ناهيك عن انسكاب كميات ضخمة من ذلك الفاقد البترولي قد تبادلت في حركتها وانتشارها تغطية سطح مياه الخليج العربي. ويكفى الكميات المروعة من الدخان الكثيف التي حجبت وصول أشعة الشمس بمناطق عمرانية واسعة، كما حجبت بقع الزيت بانتشارها الواسع الأشعة   الشمسية عن الكائنات البحرية في الخليج، بينما ابتلعت آفاق التربة ملايين البراميل من الزيت الخام. وتوجد كثير من سيناريوهات الآثار البيئية خارج حدود مواقع حرق آبار البترول، على سبيل المثال: تعرضت درجة الحرارة نتيجة حجب أشعة الشمس للانخفاض بمقدار 10 درجات مئوية بطبقة الجو السفلي، في مساحة دائرة يبلغ نصف قطرها مئات الكيلو مترات ومركزها الكويت، بالإضافة إلى انخفاض قدره درجتان مئويتان لمسافة ألف كيلو متر. وتؤدى هذه الحالة الجوية غير المستقرة إلى تغيرات مناخية متوقعة، لدرجة أنها قد تكون وراء حدوث فيضانات بنجلاديش في مايو 1991والتى أدت إلي مقتل 100 ألف نسمة، حيث تسببت تلك السحب الهائلة من دخان الآبار المشتعلة بالكويت إلى ارتفاع كميات تساقط المطر الملوث فوق بنجلاديش.

  * إشكالية تقدير خسائر الحروب:

يتطلب تقدير خسائر الحروب الاطلاع على مسرح العمليات الحربية والمدة الزمنية والتكتيك المعتمد والأسلحة المستخدمة ونوعية الذخائر والمواد، وذلك للتعامل مع مصادر الخطورة المباشرة وغير   المباشرة على البيئة والإنسان. ولا توجد في الواقع معلومات مؤكدة، لاختلاف البيانات والتقديرات بين الأطراف المشتركة في الحرب، التي قد تصل إلى حد المبالغة في واقع الأمر، وذلك كما يظهر من القراءة في مصادر المؤسسات المحلية والدولية والتقارير. وعلى سبيل المثال، قدرت إسرائيل خسائرها نتيجة حربها الأخيرة في غزة بما يربو على 1.3 بليون دولار أمريكي (قابلة للزيادة المتصاعدة)، منها فقط حوالي 20% للتكلفة العسكرية وما تبقى عبارة عن خسائر وتكاليف اقتصادية وتجارية أخرى سببتها سقوط صواريخ المقاومة الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية.(13) تضمن التقدير المالي لخسائر إسرائيل تكلفة التعويضات عن المنازل والسيارات والأملاك التي تضررت، وخسائر المصانع ورجال الأعمال نتيجة توقف الإنتاج وتعطل مئات الآلاف من العمال عن العمل، بما في ذلك خسائر الاقتصاد الزراعي والسياحي. ومن ناحية أخرى، جرت العادة أن تقديرات عدد القتلى والجرحى تعانى من تضارب حاد، حيث لا توجد منهجية أو معايير موضوعية تعتمد بدرجة أساسية على مصادر محايدة ومستقلة. ويرى أحد الخبراء في هذا المجال، أنه يمكن اعتماد طريقة لتحديد حجم الخسائر تقوم على أساس تصنيف أنواع الخدمة العسكرية وآليات إعلان الخسائر وكذلك تصنيف الخسائر إلى خسائر منظورة مادية وبشرية وخسائر غير منظورة (المكانة، المعنويات، الهيبة، التأثيرات النفسية والرعاية الاجتماعية). وأضيف إلى ذلك، حجم تلك الخسائر البيئية نتيجة الدمار الشامل للحروب والتي من الصعب حصرها أو تقدير أبعادها المكانية

والزمنية.

 

* بعض أنواع الدمار الشامل لحروب الألفية الثالثة:

شهدت الحرب الأمريكية على العراق (بدأت منذ مارس 2003 ولم تنتهى بعد)، إطلاق أعداد غير مسبوقة من الصواريخ البالستية، حيث أطلق فيها ما يزيد عن 800 صاروخ باليستي مقارنة مع 288 صاروخاً فقط خلال حرب 1991، بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل من قذائف اليورانيوم المنضب والقنابل العنقودية، بالإضافة إلى القنابل ذات القوة التدميرية الجبارة. وقد ساهمت هذه الحرب بشكل واضح في تلويث المياه الطبيعية وزيادة التلوث الكيميائي والإشعاعي، إضافة إلى أنواع أخرى من التلوث لم تحدد بعد. وسيظل التلوث البيئي بذلك العنصر السام من اليورانيوم المنضب لحقب جيولوجية قادمة،(15)   وتبقى الأجزاء غير المتفجرة من القنابل العنقودية ألغاماً موقوتة تحصد الأرواح وتعطل التنمية (القنابل العنقودية عبارة عن عبوة ناسفة تحتوى على العديد من القنابل الصغيرة وتدمر الهدف التى تُقذف عليه، وإن لم تنفجر تصبح ألغاماً تهدد الحياة فى المنطقة المستقرة بها). ويواكب تتابع الهزات الأرضية المصاحبة لإلقاء القنابل فائقة القدرة التدميرية حدوث تشوهات في التركيب الجيولوجي لطبقات سطح الأرض، وبشكل خاص مكامن المياه الجوفية التي يزيد تعرضها لتسرب الملوثات من سطح الأرض. ولن تفلت منظومة الحياة البرية، النباتية والحيوانية ومعها البحرية، من التعرض لتغيرات بيئية حادة تؤدى إلى خسائر بيئية ـ اقتصادية مروعة. أضف إلى ذلك، انتشار الفوضى المدنية وانهيار البنية التحتية والمرافق الحيوية، من محطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي وغيرها، وأيضاً تلوث المسطحات المائية بالمخلفات السائلة والصلبة، وما يترتب على ذلك من تفشى الأمراض والأوبئة وتزايد احتمالات الإصابة بالأمراض السرطانية، ولا سيما سرطان الدم عند الأطفال، بالإضافة إلى تزايد حدوث التشوهات الخلقية في الأجنة وتزايد معدلات العقم عند البشر والحيوانات، كما أن هناك أنواع جديدة غير معروفة بعد من الأمراض والأوبئة.

ما حدث في العراق لا يقل عن أشكال الدمار البيئي الشامل للحرب الأمريكية على أفغانستان (بدأت منذ أكتوبر 2001 ولم تنتهي بعد)، مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف بينهما في ظروف الاستراتيجية والجغرافيا العسكرية. وقد كشفت حكومة العراق عن وجود ما يقرب من 20 مليون لغم أرضى وحوالي 6 ملايين قنبلة عنقودية تنتشر بمناطق حقول البترول والأراضي الزراعية، حيث تقدر مساحة الأراضي الملوثة بالألغام في العراق بأكثر من 1730 كيلومتراً مربعاً، مما يؤثر سلباً على أكثر من مليون ونصف مليون عراقي.(16) بينما أكدت وزيرة البيئة العراقية، أن استعادة بيئة العراق الطبيعية وتطهيرها من آثار الحرب قد يحتاج إلى قرون، وأنه رغم توقف القصف بمختلف أنواع القنابل غير التقليدية سيظل سكان العراق يموتون بسبب آثار الحرب. وأن المصانع مازالت مدمرة بل تحولت مواقعها إلى بؤر للنفايات الخطرة نتيجة تسرب السموم إلى الماء والتربة. وقد طالت العمليات العسكرية إزالة الغابات في شمال العراق ومعها أشجار النخيل في الجنوب حتى لا تكون أماكن لاختباء المسلحين المعارضين للحكومة،    بل توسعت قوات التحالف في تجفيف أهوار دلتا نهري دجلة والفرات لأسباب أمنية. وجدير بالإشارة أن عملية التجفيف قد بدأت في وقت سابق وعليها قامت مؤسسات دولية، داخل العراق وفى المهجر، لمناهضة تدمير النظام الايكولوجى في الأهوار (1993).

بالإضافة إلى زيادة ملوحة مياه الأنهار لتلوثها بالصرف الصحي، والتي قد تطول بيئة مكامن المياه الجوفية وأفاق التربة، ناهيك عن التلوث الأرضي بالنفايات الكيماوية ومخلفات الألغام التي مازالت عرضة للانفجار.

وما يصاحب الحروب من الدمار البيئي الشامل لا يفرق بين البيئة الطبيعية والسكان، وأن النتائج المترتبة على تلك الحروب تؤدى لا محالة إلى تغيرات حادة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للشعوب، أضف إلى ذلك زيادة معدلات الإصابة بالسرطان والأمراض المعدية. وينسحب ذلك الدمار الشامل لحرب العراق على حرب لبنان (2006)، حيث لم تفلت البيئة البحرية للبحر المتوسط بطول الساحل اللبناني من التلوث بالنفط، كما حدث بسواحل العراق والكويت والسعودية في الخليج العربي من قبل. فقد ساعدت الحرب الإسرائيلية في لبنان على تسرب أكثر من 15 ألف طن من زيت الوقود بمحطة كهرباء جنوب لبنان، وانتشارها بطول 150 كيلو متراً قبالة السواحل اللبنانية والسورية، مما أدى إلى تلوث الشواطئ والمياه الساحلية التي أفسدت فيها عمليات الصيد والسياحة.(20) ومن غرائب الحروب قيام دولة إسرائيل في حربها الأخيرة على قطاع غزة (2009) بإلقاء ما يعادل 3 ملايين كيلو جرام من المتفجرات على مساحة   صغيرة لا تزيد عن 400 كيلو متر مربع وأحدثت تدميراً غير مبرر على الإطلاق. بل تكرر إطلاق إسرائيل قذائف الفسفور الأبيض للاستفادة من جدار دخانها السميك في إخفاء تحركات جنود العمليات البرية، ولكن الفسفور الأبيض قد يستخدم كسلاح حارق. وقد شوهدت تلك الآثار المدمرة والمنتشرة في أرجاء قطاع غزة نتيجة الاستخدام العشوائي لهذا السلاح المحرم دولياً، وأن كثرة وجوده يعد دليلاً على ارتكاب إسرائيل لجرائم الحرب في غزة.

وعلى صعيد آخر، فقد خلفت حرب إسرائيل على غزة ما يزيد عن 20 ألف   طفل من الذين فقدوا أهاليهم، هؤلاء الأطفال الذين يحتاجون إلى من   يرعاهم بشكل كامل لمدد زمنية طويلة وتوفير برامج تأهيل اجتماعي   ونفسي لهم والعناية بجميع جوانب حياتهم الصحية والتعليمية. وقد أعلن صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف)، أن أكثر من نصف مليون طفل عراقي في البصرة والنجف وكربلاء وبغداد سيكونون بحاجة إلى علاج نفسي بسبب تلك الحرب الدائرة في العراق، ويدخل أيضاً تلك الدائرة الأطفال الذين تعرضوا لأهوال الحرب في لبنان.

ومن وجهة نظر علم النفس البيئي، تعد إصابة الأطفال بالمشاكل النفسية العميقة من المخاطر الجسيمة للعمليات الحربية، حيث يظل الطفل المعرض لويلات الحرب أسيراً لنوبات من الهلع والخوف مصحوبة بصعوبات بالغة في التفكير وحالات من القلق والاضطرابات. وقد صرحت مؤسسات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، أن الأطفال في فلسطين والعراق الأكثر تعرضاً لمخاطر الضغط النفسي من جراء العمليات

الحربية لإسرائيل والولايات المتحدة، وأن نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال تحتاج لعلاج نفسي طويل الأمد. ومن ناحية أخرى، يختلف الأثر البيئي ـ النفسي للحرب عند أطفال العمليات الحربية من قرب وهؤلاء الأطفال الذين يتأثرون من البعد، ودليل ذلك اهتمام الدول المتقدمة بالتوازن النفسي لدى الأطفال لإزالة الآثار واستيعاب تلك الحروب التي تدور خارج حدودها في دول أخرى، وذلك نتيجة تعرض هؤلاء الأطفال لمشاهدة بعض المناظر المؤلمة للمجازر البشرية، التي تبثها الفضائيات عبر شاشات التليفزيون.

المصدر: موقع جودة الحياة
nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,403,160