الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

* الأمن البيئي وفروع المعرفة

د/ حمدي هاشم

خبير دراسات بيئية ـ عمران بيئي

تواجه التخصصات العلمية بمختلف حقولها البحثية كثيراً من التداخلات المعرفية، ولا سيما في تحديد المفاهيم والمصطلحات، التي سرعان ما تتلاقى فيما بينها بحكم الضرورة والحاجة، فالأمن   البيئي للدولة يرتبط بالضرورة بالأمن القومي وكذلك الإنساني والاجتماعي، وذلك رغم اختلاف المعالجة العملية للموضوع محل البحث بين فرع الجغرافيا البيئية والعلوم الاجتماعية والسياسية، التي لا محالة من تماسها مع الدراسات الاستراتيجية والاقتصادية لارتباطها جميعا من ناحية المجال الموضوعي بحياة الإنسان وتعدد احتياجاته في السلم والحرب. ويتطلب تحقيق الأمن الإنساني الحماية من خطر الجوع والمرض والجريمة والبطالة والتلوث وكافة انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك الحروب وآثارها المدمرة للبنية التحتية والطبيعية والثقافية بأراضي الدولة المعرضة للعمليات العسكرية. وقد ظهر مصطلح الأمن الإنساني Human security بالأدبيات في منتصف تسعينيات القرن العشرين، مواكباً للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، والذي ركز على الفرد وليس الدولة كوحدة سياسية، وأكد على أن أية سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف منها تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة. وقد سبق مصطلح الأمن البيئي Environmental security الأمن الإنساني، وذلك منذ عام 1977، حيث ورد استخدامه على المستوى العالمي بالتقارير العسكرية والأمنية والدراسات السياسية والاستراتيجية، لتلافى الآثار البيئية المدمرة للحروب وكذلك الكوارث الطبيعية. ويعتني فرع الجغرافيا البيئية التي ينتمي له هذا البحث بدراسة عناصر المحيط الحيوي (بما في ذلك الإنسان وممتلكاته) وسبل الحماية من التلوث في الماء والهواء واليابس، بالإضافة إلى الآثار المترتبة على ذلك في الحياة النباتية والحيوانية والنهرية والبحرية. ذلك المحيط الحيوي شديد التأثر بهذا الحضور الإنساني بوجهيه الإيجابي والسلبي، أي دراسة الآثار البيئية للنشاط الاقتصادي وكذلك الحروب. ومن الثابت بمختلف فروع المعرفة أن للأمن البيئي مردوداً مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد القومي للدولة في وقت السلم وعند تعرضها للهجوم العسكري.

* الحروب بين الماضي والحاضر:

لا شك أن للحروب في الماضي والحاضر آثاراً واضحة على فكر وثقافة وحضارة الشعوب في مختلف أرجاء العالم. وقد ألف المجتمع العربي الحرب منذ أقدم العصور فكانت المحرك الرئيسي لأفراده والمصنف لها، حيث تمكنت الحرب من التأثير في كافة أوجه الحياة ولم تترك في طريقها حتى اللغة والأدب، لكونها رافداً مهماً من روافد الخيال العربي (شديد الارتباط بالبيئة الطبيعية) الذي يقف وراء تشكيل الصورة الأدبية والأمثال والشعر العربي، وقد استلهم الشعراء من صور الحرب صوراً خيالية راجت وانتشرت في أبواب الشعر المختلفة، غزلاً ومدحاً وفخراً ورثاءً وشكوى، ومن ثم كان التراث العربي أقرب ما يكون إلى نحت الحرب. ولكن الفرق شاسع بين حرب الباسوس التي دارت في الجاهلية بين قبيلتي بكر وتغلب، وكذلك حرب داحس والغبراء التي دارت بين قبيلة عبس من جهة وقبيلتي فزارة وذبيان من جهة أخرى وعلى سبيل المثال، بين الحرب الإسرائيلية في عملية الرصاص المصبوب في قطاع غزة (2009)، ومن قبلها حرب لبنان الثانية (2006) التي قامت فيها إسرائيل بالتدمير الشامل لمعظم المحلات العمرانية في لبنان. من ناحية أصول الحرب والتقارب في القوة والأخلاقيات العامة وسائل الإغارة ونوعية الأسلحة الفتاكة المستخدمة كالقنابل القذرة والفسفور الأبيض وغيرها التي يحرمها المجتمع الدولي. وفوق هذا، اختلاف هدف إسرائيل الذي في اعتقادي أنه إبادة علنية بعد العزل الإستراتيجي لبقايا شعب فلسطين الأصلي داخل قطاع غزة جراء رفضه الاندماج السلمي في نسيج الدولة العبرية، ليصير بذلك إلى متحف التاريخ الحي وموسيقى الصدى للشعوب المختزلة، ولا يغيب في هذا الصدد حالة سكان القارة الأمريكية الأصليين من الهنود الحمر قبل تعرضهم للإبادة والانسحاب الجبري من الجغرافيا البشرية للمكان.

* الحروب والدمار البيئي:

لا تخلو حروب العصر الحديث من أشكال الدمار التي تهدد الأمن البيئي على نطاق جغرافي واسع، حيث لا تعرف الآثار البيئية المدمرة التي تخلفها الحروب الحدود الجغرافية أو السياسية بين الدول، والتي غالباً ما تتعدى دول ومناطق تبعد عن مواقع العمليات العسكرية بمسافات بعيدة، وذلك لاختلاف نوعية الأسلحة الحديثة وشدة درجتها التدميرية ونتائجها وما يتخلف عنها في الطبيعة. وتعد الحرب العالمية الثانية في نطاقها الأوروبي (1939-1945) حرباً شاملة بعيدة المدى بما خلفته من أوجه الدمار والخراب على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفوق ذلك أنها شهدت قبل نهايتها بأسابيع قليلة أول تجربة حية للسلاح النووي ضد اليابان، بإلقاء سلاح الطيران الأمريكي قنبلتين نوويتين فوق مدينتي هيروشيما وناجازاكى على التوالي، وذلك كرد فعل وعقاب مؤخر بعد تقدمها على الأسطولين الأمريكي والبريطاني في المحيط الهادي.

وستبقى أثار تلك التفجيرات النووية لقرون قادمة في المحيط الحيوي، ليس في اليابان وحدها بل في مناطق متفرقة من العالم والتي قد أصابها وابل من سحابة التلوث النووي التي تحركها وتؤثرفيها العوامل الجوية، ولا سيما الرياح السطحية والعلوية وتساقط المطر.

ومن فداحة الحرب العالمية الثانية خسائرها البشرية التي تقدر بنحو 73 مليوناً من القتلى، ثلثيهما من المدنيين والثلث الآخر من العسكريين، إلى جانب ملايين اللاجئين والمشردين في ظل ما شهده الاقتصاد الأوروبي من انهيار وتدمير لنحو 70% من بنيته التحتية الصناعية. وفى هذا الصدد لا ننسى الإشارة إلى الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) المعروفة بحرب الخليج الأولى، والتي قدرت ضحاياها بنحو مليون قتيل وتكلفتها بحوالي 1.2 تريليون دولار أمريكي كخسائر مالية، وتلتها حرب الخليج الثانية (1990-1991) المعروفة بعملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت، والتي وقعت بين العراق وقوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تلك الحرب التي شهدت حملة جوية مكثفة وواسعة النطاق، شملت كافة الأراضي العراقية، واستخدمت خلالها حوالي 61 ألف طن من القنابل الذكية والعنقودية. وجاءت حرب الخليج الثانية في أعقاب اجتياح القوات العراقية لدولة الكويت (أغسطس 1990) واستيلائه عليها لمدة سبعة شهور، ذلك الغزو التاريخي الذي شهد في نهايته تفجير أكثر من ألف بئر منتجة للبترول، نتج عنها احتراق أكثر من ثلثيها وتسببت في تكوين سحابة من الدخان الكثيف غطت سماء الكويت ودول الجوار بالخليج العربي والمحيط الهندي، وامتدت لتصل إلى اليونان غرباً والصين شرقاً، بل طالت أثارها الولايات المتحدة الأمريكية واليابان.وقد حصدت حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في البوسنة والهرسك (1992-1995) أكثر من 300 ألف مسلم، باعتراف منظمة الأمم المتحدة. وعلى صعيد آخر الحرب الروسية الأولى في الشيشان (1994-1996) التي قدرت خسائرها البشرية ما بين 50-100 ألف قتيل من المدنيين وأكثر من 200 ألف مصاب، وما يقرب من نصف مليون نسمة هجروا ديارهم بسبب الصراع وتعرض القرى والمدن الحدودية للتدمير الشامل. وما لبثت أن اندلعت الحرب الشيشانية الثانية (أغسطس 1999) واستمرت آثارها حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. وهكذا كانت الحرب العالمية الثانية آخر الحروب العسكرية الشاملة في الألفية الثانية، وظهرت حروب الألفية الثالثة بأسلحتها الاستراتيجية المتطورة فائقة التدمير والتحكم في بلوغ أهدافها، غير أنها فاقت كل التهديدات للأمن البيئي، وهى على حسب الترتيب كالتالي:

- الحرب الأمريكية على أفغانستان (منذ أكتوبر 2001).

- الحرب الأمريكية على العراق (منذ مارس 2003).

- الحرب الإسرائيلية على لبنان (خلال يوليه 2006 ـ أغسطس 2006).

- الحرب الإسرائيلية على غزة (خلال ديسمبر 2008 ـ يناير 2009).

المصدر: موقع جودة الحياة
nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,403,159