الإعجاز العلمى - أعشاب الطبيعة - إبنى المراهق

سمات المنحدر :

 تسير الشخصية المصرية على منحدر فى بعض من سماتها حيث يبدأ المنحدر فى أعلاه بصفة إيجابية ثم يتدرج إلى أن يصل إلى صفة سلبية , وفيما يلى بعض الأمثلة :

 

1 - من التسامح إلى التساهل إلى التسيب :

 

الشخصية المصرية بطبيعتها الزراعية

تميل إلى التسامح , ففى البيئة الزراعية لاتوجد حاجة للإنضباط الصارم فالأخطاء لاتؤدى لكوارث بل يمكن تلافى آثارها دائما . يضاف إلى ذلك الطبيعة الدينية للمصريين والتى تدعو غالبا إلى التسامح , كما أن الإرتباطات الأسرية والإجتماعية القوية تشجع دائما على التسامح خاصة مع الأهل والأصدقاء والجيران وغيرهم . وفى ظروف معينة نجد هذه الصفة الإيجابية – وهى التسامح – تتحول تدريجيا إلى حالة من التساهل مع الآخرين فى ظروف العمل أو فى الأخطاء التى يرتكبونها , فهناك ميل دائما للعفو والتساهل , وهذا الميل يصل فى النهاية إلى حالة من التسيب تترك آثارا سيئة على الإنضباط والإلتزام المطلوب لنجاح أى عمل .

2 - من الكرم إلى الإسراف إلى البذخ إلى السفه :

ربما تكون وفرة الطعام فى مراحل معينة من تاريخ المصريين قد خلقت لديهم صفة الكرم  فالنهر بما يفيض به من خيرات يعطى حالة من الطمأنينة للناس تشجعهم على الإنفاق دون خوف . ورغم تغير الأحوال بالنسبة لجموع المصريين وحالة الشح التى يعيشها أغلبهم إلا أن صفة الكرم مازالت موجودة , وقد تتحول عند البعض إلى حالة من البذخ والسفه , فنجد أنه رغم الظروف الإقتصادية الصعبة ينفق الناس بسفه فى الأفراح والحفلات , ويكلفون أنفسهم مالايطيقون وربما يستدينون فى سبيل الظهور بمظهر الأثرياء , ويطلق المصريون على هذا أوصاف مثل : " العنطزة " ... و " الفشخرة " ..... و " الأنزحه " , ولديهم أمثلة شعبية دالة على ذلك مثل : " الصيت ولا الغنى " ..... " من بره هلا هلا ومن جوه يعلم الله "

3 - من المطاوعة إلى المسايرة إلى الخضوع :

المصرى لا يميل إلى التصلب أو العناد بل هو أقرب للمرونة والمطاوعة , وربما يؤكد هذه الصفات انتشار كلمة " ماشى " على ألسنة المصريين , وهى تعنى ميلهم الغالب للموافقة , حتى ولو كانت لديهم بعض التحفظات فهم دائما قادرون على التجاوز والتساهل والتنازل . وفى مجلس الشعب الذى يفترض فيه المناقشان والإعتراضات والتحفظات على قرارات الحكومة , إلا أننا نجد أن كلمة موافقة هى السائدة طول الوقت تقريبا على لسان رئيس المجلس ( حتى أصبحت مثارا للعجب والتهكم فى الصحف والمجلات ) وأحيانا يقولها رئيس المجلس دون أن يدقق فى عدد الموافقين والمعترضين , وكأنه يعلم أن عدم الموافقة غير وارد بالمرة .  وصفة المرونة والمطاوعة كثيرا ما تتحول إلى حالة من المسايرة حيث يلغى الشخص خياراته لحساب الآخر خداعا ( خذه على قد عقله ) , أو تكيفا ( اربط الحمار مطرح ما يعوز صاحبه ) أو يأسا وضعفا ( هو احنا ها نغير الكون ) ( ما يقدر على القدره إلا اللى خالقها ) أو سعيا نحو الراحة السلبية ( كبّر ) ... ( نفّض ) .... ( فوّت ) ..... ( طنّش ) .... ( عدّيها ) . وإذا زادت الضغوط

( خاصة إذا كانت تحمل بصمة سلطوية ) فإن خيار الخضوع – لا المواجهة – يصبح أكثر احتمالا , والخضوع هنا يلبس مسوح الحكمة أو تقدير الظروف , أو الحفاظ على لقمة العيش , أو تربية العيال . وأحيانا يلبس الخضوع رداءا دينيا ( يعضده علماء السلطة ) يدعو إلى طاعة أولى الأمر وجعلها ردفا لطاعة الله وطاعة الرسول . وفى مرحلة تالية قد يتبنى الشخص المطيع أو المساير أو الخاضع خيارات المتحكم فيه ويقنع نفسه بوجاهتها وأهليتها للإتباع , وهذا ما يطلق عليه : " التوحد مع المعتدى " , فنجد المصرى يبرر آراء المستبدين به ويتبناها وربما يروج لها , ولا ينجو من هذا المصير غير أصحاب البصيرة القوية ومن لديهم القدرة على الفكر النقدى بعيدا عن الإنزلاقات الدفاعية أو التحيزات الوجدانية .

4 - من حب الإستقرار إلى فرط الإستقرار إلى الجمود :

لقد فرض نهر النيل وما أرساه من طبيعة زراعية مستقرة على شاطئيه حالة من الإستقرار المعيشى جعلت المصريين يميلون للمحافظة عليها والتمسك بها حتى أصبحت هذه الحالة جزءا من سماتهم الأصيلة لقرون طويلة حتى تحولت مع الوقت إلى حالة من فرط الإستقرار , وفى كثير من الأوقات إلى حالة من الجمود , على اعتبار أنه " ليس بالإمكان أبدع مما كان " ......... " اللى نعرفه أحسن من اللى ما نعرفوش " ..... " من فات قديمه تاه " ...... " من طلع من داره اتقل مقداره " . وسمة الإستقرار ( التى تحولت إلى فرط الإستقرار ثم إلى الجمود) تحظى بحفاوة وتشجيع ممن حكموا مصر على مر العصور , وهم يجعلونها مصدرا للفخر لدى شعوبهم , لأنها فى النهالية تصب فى مصلحة الحاكم الذى يريد أن تبقى الأوضاع على ماهى عليه .

5 - من الصبر إلى الرضى بأقل القليل إلى قلة الحيلة إلى التسليم :

يعتبر الصبر أحد السمات الواضحة فى الشخصية المصرية , والصبر هو احتمال الشئ الصعب على مضض , وهو لدى المصرى مرتبط بالمفاهيم والتصورات الدينية التى تعلى من قيمة الصبر وتعد الصابرون بالجنة " فاصبر صبرا جميلا " ..... " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " , ومرتبط أيضا بالبيئة الزراعية التى تعودت أن تضع البذرة وتنتظر النتيجة بعد شهور عديدة ويصبح الإنتظار حتميا حين لا يكون بالإمكان تعجل الحصاد , ويصبح الوقت متمددا مرتخيا , ويصبح إيقاع الزمن بطيئا , ولهذا تتعود النفس على التحمل والإنتظار , وبطء الإيقاع دون تذمر أو ثورة . وإذا كان الصبر هو التحمل وضبط النفس على مضض فإن الإنسان المصرى يتحول مع طول الصبر إلى حالة من الرضا قد يسعى إليها سعيا أو يضطر إليها اضطرارا , وهو لا يعدم نصوصا دينية  تعلى من قيمة الرضا لديه  " من رضى فله الرضا  " ...... ولا يعدم من الأمثال الشعبية مايؤيد هذا المعنى " من رضى بقليله عاش " .

وشيئا فشيئا يتحول الصبر إلى صبر سلبى يعانى منه المصريون دون أن يفعلوا شيئا لتغيير واقعهم , ثم يتحولون إلى حالة من الرضى بالفتات يفقدوا معها الدافع للنمو والحركة والتطور , ثم يصلوا إلى حالة من قلة الحيلة وفقد القدرة على التغيير تنتهى بحالة من التسليم أو الإستسلام للأمر الواقع .

وقد يكون الصبر السلبى والرضى بالدنية وقلة الحيلة والإستسلام للأمر الواقع , دفاعا ضد الشعور بالمسئولية تجاه الواقع المتردى ومحاولة تغييره , حيث تعطى هذه المفاهيم فرصة للشخصية أن تسترخى وتستسلم تحت وهم مبادئ برّاقة خاصة إذا أخذت قيمة دينية هامة , وفى هذه الحالة لا يفطن الشخص إلى الفروق بين الصبر الإيجابى المسئول والتحين للحظة المناسبة للتغيير للأفضل وبين الصبر السلبى المستسلم والمتواكل .   

6 - من المرح إلى الصخب إلى الفوضى :

رغم الحزن الكامن فى أعماق الشخصية المصرية والذى تؤكده كثير من عادات وطقوس وأدبيات المصريين خاصة فيما يختص بالموت وفراق الأحباب والأحزان الممتدة ( الخميس والأربعين والسنوية , والطقوس والأدبيات الجنائزية , والتعديد على الموتى وذكرهم لسنوات طويلة , والمواويل المصرية الحزينة على صوت الناى الأشد حزنا ) , إلا أن عين الفاحص لا تخطئ مظاهر الفرح أيضا لدى المصريين , وربما يكون للفرح تاريخا طويلا مع المصريين فهم تعودوا الإحتفال بأعياد الحصاد , وتعودوا الإحتفال بالنيل كل عام , وتعودوا الإحتفال بمولد ملوكهم , وتعودوا الإحتفال بأفراح زواجهم , وغيرها من المناسبات المتعددة , ولهم طرائق متعددة فى كل احتفال تدل على ولعهم بالفرح والمرح بشكل لافت للنظر إذا ما قورنوا بشعوب أخرى لا تملك هذا التعبير الواضح للفرح فى مناسبات كثيرة . وقد يكون  المرح لدى المصريين هو الوجه الآخر والطبيعى المواجه والمعادل للحزن فى هذه الشخصية ( وفى الإنسان عموما ) , وقد يكون رد فعل أو تكوين عكسى   ( Reaction Formation )على الحزن الكامن فى الأعماق . وحين يتحول المرح إلى صخب ( كما هو الحال فى الأفراح والموالد وكل المناسبات ) فإن هذا يؤكد فكرة رد الفعل أو التكوين العكسى , وكأن المصرى يحاول أن يبالغ فى فرحه ليهرب من الحزن الكامن بداخله .  

وشيئا فشيئا يتحول المرح إلى فوضى حيث تنطلق الميكروفونات بالأغانى والوسيقى فى كل فرح وفى كل قهوة أو كافيتريا , وفى كل رحلة أو معسكر , وفى كل نادى أو باخرة نيلية , دون اعتبار لعوامل الراحة أو السكن لبقية الناس , فمظاهر الفرح تفرض على الجميع قهرا وقسرا بأشكالها المعتدلة والفجة على السواء .

7 - من حب الحياة إلى الترف إلى الراحة إلى الكسل :

لا شك أن المصريون شعب محب للحياة , وقد ترسخ لديهم هذا الشعور كنتيجة لما أفاء الله عليهم من خيرات جاءت مع فيضان النيل , فعاشوا يمرحون على ضفافه ويستمتعون بخيراته , وسط بيئة خضراء , وطبيعة معتدلة , كل ذلك أعطاهم فرصة لممارسة الرياضات المختلفة , وإنتاج الفنون الجميلة والإستمتاع بها , وكانت طبيعة الحياة فى كثير من العصور تدعو إلى الراحة والرفاهية والترف , فماء النيل يروى الأرض بجهد بسيط ومحتمل , والأرض خصبة تجود بالخيرات , والطبيعة سمحة ومعتدلة وهادئة , والإستقرار شبه دائم .

هذا الأمن الغذائى والإعتدال البيئى أعطى فرصة للشعور بالراحة الذى يصل فى بعض الأحيان إلى حالة من الطمأنينة الزائدة التى تدعو إلى الكسل والتراخى .

 

 والتحول عبر صفات المنحدر ليس حتميا لدى كل المصريين فبعضهم يأخذ من المتصل أعلاه فيحتفظ بالسمات الإيجابية دون تحول إلى الدرجات السلبية الناشئة عن تشويهها , ولكن الملحوظ أن نسبة غالبة من المصريين قد انزلقت أقدامهم إلى درجات أدنى على المنحدر فتحولت كثير من الصفات الإيجابية إلى صفات سلبية دون الإنتباه إلى ما حدث , أو قد يحدث الإنتباه ( أو التنبيه ) دون إرادة حقيقية للتغيير .

العلاقة بالوقت :

 

نظرا للطبيعة الزراعية المتغلغلة فى الشخصية المصرية نجد هناك علاقة بالوقت تتسم بالتراخى وفرط الطمأنينة ,  فالمصرى القديم – كما ذكرنا - قد تعود على أت يبذر البذرة ثم ينتظر نموها بعد فترة غالبا تطول لشهور وليس مطلوبا منه شيئا غير بعض الرعاية البسيطة حيث أن خصوبة الأرض نتجة مايجلبه النيل من طمى وسهولة الرى تجعل عملية الزراعة أكثر بساطة وأقل عناءا .  وهذا يعطى للمصرى إحساسا بالطمأنينة وامتداد الزمن فلا داعى للعجلة حيث أن الأمور ستأخذ وقتها مهما حاولنا استعجالها , وهذا الشعور الممتد بالزمن يجعل مسألة الإلتزام بالمواعيد عملية صعبة لدى كثير من المصريين . وهذا بالطبع يختلف عن المجتمعات الصناعية التى تشعر بقيمة الوقت وتسارعه فالوقوف أمام الآلة يستلزم يقظة وانتباها , كما أن دولاب العمل الصناعى بما فيه من ارتباطات دقيقة تفرض على المجتمع التزاما شديدا بالوقت .

فنحن فى أغلب الأحوال فى مصر أمام ما يسمى بالنمط الفلاحى فى الحياة وهو يتسم بطول البال والتراخى والصبر السلبى وانتظار الفرج يأتى من السماء دون جهد بشرى يبذل أو بأقل جهد , ويرسخ لهذا النمط الفلاحى أقوال وأمثال مثل " طولة البال تبلغ الأمل " ... " اللى ما يتعملش النهارده يتعمل بكره " .... إمشى سنه ولا تعدى قنا " .... " الدنيا اتخلقت فى سبع أيام " .... " يا مستعجل عوقك الله " ..... " إجرى يابن آدم جرى الوحوش غير رزقك لم تحوش "

 

العشوائية :

حين تمشى فى شوارع أى مدينة أو قرية مصرية تجد حالة من العشوائية فى التنظيم الهندسى للشوارع والبيوت وكل شئ , فالعشوائية سمة سائدة فى الحياة المصرية , وهناك تسامح كبير تجاهها وقبول غير مبرر لها وكأنها أحد السمات المميزة لمصر . وهذا يتناقض بشكل كبير مع آثار الحضارة المصرية القديمة التى اتسمت بالإنضباط والجمال والتناسق والدقة المبهرة , ويتناقض مع الآثار القبطية والإسلامية التى اتسمت بالجمال والبساطة والإعتدال والنظام والترابط .

ويبدو أن العشوائية فى الشوارع والبيوت وكل مظاهر الحياة ( اللافتات , واللوحات , والمرور , والألوان , والأصوات , و ...... , ........... ) هى تعبير عن تشوهات نفسية داخلية لحقت بالشخصية المصرية عبر عصور الإستبداد والتدهور الحضارى والأخلاقى , تلك التشوهات التى تقبل بالقبيح والمعوج والقذر والملتوى فى الخارج لأنها قبل ذلك قبلته فى الداخل . فهذا التشوه البيئى ( صورة وصوتا ) يعبر عن تشوها مقابلا بالداخل , لأن النفس المستقيمة النقية النظيفة الجميلة الصادقة , لا ترضى بالإعوجاج أو التلوث أو القذارة أو القبح أو الكذب حولها وبينها .

أزمة الذوق والجمال :  

لا يكاد يصدق أحد أن المصريين الذين صنعوا الجمال وعلموه للدنيا ووضعوا حدوده ومقاييسه فى فترات صعودهم الحضارى سواء كان مصريا قديما أو قبطيا أو إسلاميا , هم أ نفسم الذين يبنون هذه البيوت العشوائية الأسمنتية القبيحة والفقيرة من أى جمال بل والمليئة بالقبح والتشوه حول القاهرة ومدن الأقاليم  والقرى المصرية .

 

ولا يصدق أحد أن بلدا له هذا العمق الحضارى الكبير تمتلئ شوارعه بأكوام القمامة فى كل مكان لتفوح منها روائح عفنة , أو تنبعث روائح البول فى بعض الميادين الهامة وتحت الكبارى فى أماكن حيوية بمدينة القاهرة , ولا يصدق أحدا أن أحفاد صنّاع الجمال يعيشون فى مدن ليس لها نظام معمارى متناسق بل كل بيت له شكل ولون مختلف ومتنافر مع الذى بجواره , واللافتات معلقة بلا أى نظام أو قواعد , والأصوات تتصاعد بشكل عشوائى ومتداخل من كل شئ .

 

والأغرب من كل هذا أن يعتاد الناس على ذلك فلم يعودوا يتذمرون أو يستنكرون , وتبقى قلة قليلة تستنكر وتنادى دون أن يستجيب لها أحد .

وهذا لا ينفى ما فى مصر من أماكن جميلة تستحق الإشادة والفخر بها , وهى تجذب السائحين ومحبى الجمال من كل مكان , ولكنها تبقى استثناءا فى الحياة المصرية يؤكد القاعدة سالفة الذكر ولا ينفيها .  

 

هل المجتمع المصرى فى أزمة ؟ :

يبدو بوضوح فعلا أنه فى أزمة , ويمكنك أن تلا حظ ذلك حين تنظر فى وجوه الناس فستجد أنهم مأزومين غير سعداء , محبطين , مجهدين , تظهر على بعضهم علامات الضيق وعلى بعضهم علامات الإعياء وعلى بعضهم علامات الإنكسار وعلى بعضهم علامات الإصابة بأمراض الكبد والكلى , وستجد قليلين منهم سعداء او مبتسمين . وستتأكد لديك هذه الملاحظة إذا كنت عائدا لتوك من خارج مصر وعقدت مقارنة بين ما شاهدته فى أهل البلد الآخر وما شاهدته فى المصريين فستجد الفرق واضحا فى نوعية الحياة واستمتاع الناس ( الآخرين ) بها. وإذا فتحت التليفزيون أو قرأت الصحف فسوف يهولك كم الحديث عن الأزمات فى السياسة والإقتصاد والتعليم والرياضة والخطاب الدينى والأزمات الطائفية , وغيرها كثير , وسوف تكتشف أن الحديث عن الأزمات يكثر دون حل لها , وهذا يصيب الناس بحالة شديدة من الإحباط والقهر وفقدان الأمل وقلة الحيلة , ولنأخذ على سبيل المثال مشكلة السحابة السوداء التى خنقت الناس وضيقت عليهم أنفاسهم وأصابتهم بالإنقباض والحزن , فقد عقدت اجتماعات وجرت مناقشات واتخذت قرارات ولم تنفذ وظلت السحابة السوداء متحدية للجميع رغم أن حلها بسيط ويستوجب فقط وجود آلية فعالة وصارمة لنقل قش الأرز من الحقل إلى مكان يتم تصنيعه أو تدويره بشكل آمن , وهى عمليات كلها بسيطة , ولكن فقد إرادة الفعل وفقد التنظيم الإدارى والإستهانة بصحة الناس وراحتهم جعل هذه المشكلة ومشكلات كثيرة غيرها تتراكم وتتحول إلى أزمات تخنق وتحبط الناس بلا مبرر .

 

وننقل هنا رأى بعض المتخصصين فى الطب النفسى وهم من رواده وأساتذته المعلمين , يقول الدكتور أحمد شوقى العقباوى أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر فى رده على سؤال عن حالة الشعب المصرى وما أصابه من تغيرات وذلك فى ندوة بجريدة الأهرام تحت عنوان : " المصرى بين الأنامالية والمسئولية " ( جريدة أهرام الجمعة , 4 نوفمبر 2005 , صفحة 26): " إن المجتمع المصرى قد تغير وبالذات فى الثلاثين سنة الماضية , ولحقه التشوه , وأصيبت البنية الأساسية للشخصية المصرية , وآن الأوان لكل مهتم بالشأن العام أن يتنبه ويدرك أن التفكير – كما قال عباس محمود العقاد – فريضة إسلامية , وآن الأوان أن نفيق فهذه مسئوليتنا جميعا وفى طليعة المجتمع يكون المثقفون ويكون دورهم " . ويقول الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسى ورئيس الجمعية العالمية للطب النفسى فى حوار له فى جريدة " الغد " العدد الخامس والثلاثون بتاريخ 2 نوفمبر 2005 صفحة 10 : " .. فى الحقيقة لا يستطيع أحد أن يفصل بين السياسة والمجتمع والبيئة فكلهم يلعبون دورا واحدا , فمثلا لدينا بطالة وكبت للحرية ولا يوجد عمل جاد يؤدى إلى نتيجة , كما أن التعليم فى انهيار , والصحة غير متوفرة , وهناك تلوث بصرى وسمعى وشمى , كل هذه العوامل تجعل المواطن محبطا , والإنسان المحبط معرض لخمسة أشياء : لامبالاة , وفقدان المواطنة , والعنف والعدوان , والإرهاب , وأمراض القلب . والإحباط له أسبابه السياسية والإجتماعية والنفسية , فأكثر من 50% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر فكيف يبدعون ويخلقون وينتجون ؟ , وهو ما جعل نحو 90% من المصريين لا يشعرون بالمواطنة , أى يفقدون الإنتماء " , ويقول أيضا : "   الشعب المصرى فى حالة من حالات الإستكانة والخوف من الحاكم والبعد عن الحكومة , ليس الكل ولكن الغالبية صاروا فى حالة خنوع وطاعة عمياء لأولى الأمر , وهذا أحد أسباب التأخر , فالحكام السابقون لم يحاولوا مشاركة الشعب معهم فكانت تلك هى النتيجة " , ويقول: " الجمود هو أخطر شئ فى الصحة النفسية للفرد , لأنه يقتل الإبداع والتفكير والإنتاج ويحدث ركودا , كالذى نعيشه فى مصر , فكلما جلس الحاكم مدة أكبر كان الركود أكثر "

 

العلاج :

1- كشف أبعاد شخصية الفهلوى والبدء فى تكوين اتجاها سلبيا نحوها فى وسائل الإعلام وفى المؤسسات التربوية والدينية , وعدم التسامح مع كل من يمارس أى سلوك فهلوى على المستوى السياسى ( بالتزوير أو التهليل أو النفاق أو اغتصاب الشرعية ) أو المستوى الإقتصادى ( بإعطاء بيانات كاذبة وأرقام خادعة وأمانى لا تتحقق أو الحديث عن اذدهار خيالى) أو المستوى الإجتماعى ( بدغدغة مشاعر الناس وإيهامهم بالريادة والتفوق والتميز الكاذبين والمخدرين ) .

2- كشف أنماط التدين الكاذب والكذب المتدين والتدين النفعى , ثم إعطاء الفرصة للتدين الأصيل أن ينمو بشكل هادئ وطبيعى ليدفع الناس إلى تحسين علاقاتهم بالأرض والسماء  ويدفعهم إلى العمل الجاد الحقيقى لعمارة الأرض وسعيا لوجه الله .

3- الإرتقاء بالحس الفنى والجمالى لدى النشء , ذلك الحس الذى يجعلهم يرفضون القبح فى داخل نفوسهم ( التكوين الأخلاقى ) وفى خارجها ( المظهر البيئى ) , ويجعلهم صنّاعا للجمال ومستمتعين به كقيمة سامية تضفى على الحياة جمالا وبهاءا ونظافة وطهرا واستقامة .

3- بناء الشخصية المنتجة : وهى كما يحددها الدكتور / حامد عمار : " التى تعمل بجدية , وتستمتع بما تعمل , وتنتج وتدرك قيمة ماتنتجه , ولديها قدرة على الملاءمة بين الغايات والوسائل , وتؤمن بأن الوصول إلى الهدف لا يتم إلا خطوة بعد خطوة, ليكون الهدف الكبير مجموعة أهداف جزئية , كل منها يمثل حلقة تؤدى إلى ما بعدها , ومن تماسك وتتابع وتكامل هذه الحلقات يصل الفرد إلى إكمال السلسلة التى تنتهى به إلى الهدف .

4- القدرة على الإعتراف بالخطأ وتصحيحه : وهذا ضد منظومة الفهلوة التى كانت تزين كل الأخطاء وتحول الهزائم لإنجازات وتكتفى بوضع المراهم على السرطانات القاتلة , وتخادع وتناور وتلف وتدور بلا نهاية أو فائدة , تلك المنظومة القاتلة التى تهدر كل الفرص للنمو والتطور الحقيقى , وتدع الأمور بأيدى الكذابين والمنافقين والمخادعين والأفاقين . إذن حين تتغير هذه المنظومة المريضة وتحل محلها منظومة صدق  وأمانة وشجاعة وقدرة على الإعتراف بالخطأ وتصحيحه فإن ذلك يغير واقع الحياة المصرية تماما وفى وقت أقصر مما يتصور الناس . وربما يقول قائل : هذه أحلام وأمانى لا ترتكن إلى آليات حقيقية لتنفيذها , وهذا صحيح فأى مبادئ لاتحكمها وتحميها آليات تظل فى حكم الأمانى والأحلام  لفترة ثم تتآكل وتختفى مع الوقت . ولو عدنا إلى تجربة ماليزيا لوجدنا أن مهاتير محمد قد شكل لجنة مكونة من عشر أفراد يجمعون بين عمق التخصص العلمى وبين الصدق والأمانة , وهذه اللجنة وظيفتها تلقى تقارير يومية من كل المؤسسات الإنتاجية الحيوية , وترسم خطا بيانيا لكل مؤسسة داخل الخريطة الكلية للعمل والإنتاج , ومن ملا حظة هذه الخطوط صعودا وهبوطا كانت اللجنة تحصل على تغذية مرتجعة ( Feedback ) عن كل الأنشطة الإنتاجية فى الدولة , فإذا وجدوا تدهورا فى أحد المؤسسات بادروا باتخاذ ما يلزم فورا لاكتشاف الأخطاء وتصحيحها على وجه السرعة . وكانت القيمة السائدة فى المجتمع الماليزى الصاعد هى الصدق تليها قيمة الجدية فى العمل والإنتاج , تليها قيمة العمل الجماعى وروح الفريق , وهكذا استطاعت التجربة الماليزية أن تنجح " بحق وحقيق " فى الوقت الذى فشلت فيه التجربة المصرية التى قامت على الفهلوة .

5- روح الفريق  : حين أتيحت لى فرصة العمل ضمن فريق عمل متعدد الجنسيات اكتشفت لأول مرة " بشكل عملى وحقيقى " سر التقدم العلمى , وهو يكاد ينحصر فى ثلاثة عناصر بسيطة جدا ومهمة جدا ( وغائبة جدا من حياتنا المصرية )  : الأول : العمل الجماعى

 Team work,الذى يعطى فرصة للإستفادة من الخبرات المتنوعة للبشر ويعطى فرصة للتراكم والتكامل , الثانى : منظومة العمل System ) ( التى تضع إطارا واضحا للعمل وتضع بداخله الخطوط التفصيلية التى تشكل هيكل العمل ومساراته بحيث تسير الأمور بشكل سلس ومنتج ومؤثر وممتع فى ذات الوقت , الثالث : التغذية الإرتجاعية    ,(Feedback )  والتى تعطى فرصة صادقة وحقيقية لتقييم العمل ودراسة أوجه النجاح والفشل فيه بغرض التحسين المستمر والإستفادة من الأخطاء .

وتكاد تكون هذه العناصر غائبة بشكل خطير فى النسيج المصرى باستثناء بعض الأماكن القليلة , وهذا يجعلنا دائما نفشل فى الأنشطة التى تحتاج بشكل خاص إلى هذه الأشياء مثل المشروعات الصناعية الكبيرة أو المؤسسات الضخمة , أو الألعاب الرياضية الجماعية , وربما يفسر هذا فشلنا فى بناء أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية فاعلة على الرغم من وجود عدد كبير من العلماء المتميزين فى كل هذه المجالات , وعلى الرغم من حصول المصريين على أربعة جوائز نوبل فهم يأخذون صفرا مخزيا فى الصلاحية لاستضافة المونديال الكروى .

6- اكتساب مهارات " حقيقية " يحتاجها سوق العمل " الحقيقى " , ومعذرة لاستخدام كلمة " الحقيقى " طول الوقت ,  والسبب فى ذلك هو شعورنا بشبح "الشخصية الفهلوية " تحاول القفز طول الوقت لإيهامنا بأننا نفعل ذلك ونحن لم نفعله .  وهذه المهارات ليست فقط مهارات تقنية وإنما أيضا مهارات تنظيمية وإدارية كأن يتعلم مهارات القيادة الديموقراطية الحازمة والراعية , ومهارات الجندية الواعية بدورها وقيمته فى غير تمرد إو إفساد , ومهارات التخطيط , فالعمل فى دكان أو ورشة يختلف كثيرا عن العمل فى مصنع أو مؤسسة .

7 – إعادة الإعتبار لقيمة العمل الجاد والمتقن والمثابر , وذلاك بسحب الأضواء من الأفاقين والكذابين والمتسلقين والمرفهين والمهللين والمنافقين , وتسليطها على من يعملون " بحق وحقيق " وتكريمهم والرفع من شأنهم حتى يترسخ فى أذهان الناس وقلوبهم مرة أخرى القيمة العليا للعمل " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " , فالعمل لابد أن يقدر ويقيم ويكافأ على كل المستويات , وتصبح المرتبات والمكافآت والترقيات مرتبطة ارتباطا دقيقا بحجم العمل ونوعيته وجدته .

8 – الإصلاح السياسى الجاد والحقيقى لإيجاد آليات تغلق الباب وللأبد أمام كل محاولات الإستبداد السياسى , ذلك الإستبداد الذى كان هو العنصر الأساس فى تشويه الشخصية المصرية على مر العصور رغم وجود عوامل صحة وقوة فى هذه الشخصية , لذلك يبدو الإصلاح السياسى عاملا علاجيا أوليا , وكان من المفترض أن نضعه فى مقدمة وسائل العلاج وآلياته لولا خوفنا من أن يبتلع بقية العناصر الفردية والإجتماعية ويلغيها أو يهمشها , ولكنه فى الحقيقة جدير بأن يوضع فى مقدمة المقدمة نظرا لخطورته وأهميته وعصيانه على العلاج على مدى قرون طويلة , وليس هنا مجال الحديث عن وسائل هذا الإصلاح وخطواته وآلياته وصعوباته .

 المصدر/

http://www.elazayem.com/A(61).htm


nature5

أمانى إسماعيل

ساحة النقاش

nature5
موقع خاص لأمانى إسماعيل »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

1,395,187